والتاء المقترنة بها ملازمة لها في جميع الأحوال كيفما كان المؤكد بها مؤنثا كان أو مذكرا مفردا أو جمعا نحو ( وقاتلوا المشركين كافة ) وأكثر ما يستعمل ( كافة ) في الكلام أنه حال من اسم قبله كما هنا فقوله ( كافة ) حال من ضمير ادخلوا أي حالة كونكم ( جميعا ) لا يستثنى منكم أحد وقال ابن هشام في معنى اللبيب عند الكلام على الجهة الخامسة من الباب الخامس في ذكر الحال من الفاعل ومن المفعول أن ( كافة ) إذا استعملت في معنى الجملة والإحاطة لا تكون إلا حالا مما جرت عليه ولا تكون إلا نكرة ولا يطون موصوفها إلا مما يعقل ولكن الزجاج والزمخشري جوزا جعل كافة حالا من السلم والسلم مؤنث وفي الحواشي الهندية على المغني للدماميني أنه وقع كافة اسما لغير العاقل وغير حال بل مضافا في كتاب عمر بن الخطاب لآل كاكلة " وقد جعلت لآل كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا إبريزا في كل عام " .
واعلم أن تحجير ما لم يستعمله العرب إذا سوغته القواعد تضييق في اللغة وإنما يكون اتباع العرب في استعمالهم أدخل في الفصاحة لا موجبا للوقوف عنده دون تعدية فإذا ورد في القرآن فقد نهص .
وقوله ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) تحذير مما يصدهم عن الدخول في السلم المأمور به بطريق النهي عن خلاف المأمور به وفائدته التنبيه على أن ما يصدر عن الدخول في السلم هو من مسالك الشيطان المعروف بأنه لا يشير بالخير فهذا النهي إما أخص من المأمور به مع بيان علة الأمر إن كان المراد بالسلم غير شعب الإسلام مثل أن يكون إشارة إلى ما خامر نفوس جمهورهم من كراهية إعطاء الدنية للمشركين بصلح الحديبية كما قال عمر " ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فلم نعطي الدنية في ديننا " وكما قال سهل ابن جنيف يوم صفين " أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله فعله لفعلنا والله ورسوله أعلم " بإعلامهم أن ما فعله رسول الله لا يكون إلا خيرا كما قال أبو بكر لعمر إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا تنبيها لهم على أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو من وساس الشيطان وإما لمجرد بيان علة الأمر بالدخول في السلم إن كان المراد بالسلم شعب الإسلام والكلام على معنى لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين وما فيه من الاستعارة تقدم عند قوله تعالى ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) الآية .
وقوله تعالى ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) تفريع على النهي أي فإن اتبعتم خطوات الشيطان فزللتم أو فإن زللتم فاتبعتم خطوات الشيطان وأراد بالزلل المخالفة للنهي .
وأصل الزلل الزلق أي اضطراب القدم وتحركها في الموضع المقصود إثباتها به واستعمل الزلل هنا مجازا في الضر الناشئ عن اتباع الشيطان من بناء التمثيل على التمثيل ؛ لأنه لما شبهت هيئة من يعمل بوسوسة الشيطان بهيئة الماشي على أثر غيره شبه ما يعتريه من الضر في ذلك المشي بزلل الرجل في المشي في الطريق المزلقة وقد استفيد من ذلك أن ما يأمر به الشيطان هو أيضا بمنزلة الطريق المزلقة على طريق المكنية وقوله ( زللتم ) تخييل وهو تمثيلية فهو من التخييل الذي كان مجازا والمجاز هنا في مركبه .
والبينات : الأدلة والمعجزات ومجيئها وظهورها وبيانها لأن المجيء ظهور شخص الجائي بعد غيبته .
وجيء في الشرط بإن لندرة حصول هذا الزلل من الذين آمنوا أو لعدم رغبة المتكلم في حصوله إن كان الخطاب لمن آمن بظاهره دون قلبه .
وفيه إشارة إلى أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو زلة عظيمة .
وقوله ( فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) جواب الشرط و ( أن الله عزيز حكيم ) مفعول اعلموا والمقصود علم لازمه وهو العقاب .
والعزيز فعيل من عز إذا قوي ولم يغلب أصله من العزة وقد مر الكلام عليها عند قوله ( أخذته العزة ) وهو ضد فكان العلم بأنه تعالى عزيز مستلزما تحققهم أنه معاقبتهم لا يفلتهم لأن العزيز لا ينجو من يناوئه .
والحكيم يجوز أن يكون اسم فاعل من حكم أي قوي الحكم ويحتمل أنه المحكم للأمور فهو من مجيء فعيل بمعنى مفعل ومناسيته هنا أن المتقن للأمور لا يفلت مستحق العقوبة فالكلام وعيد وإلا فإن الناس كلهم يعلمون أن الله عزيز حكيم .
A E
