ولك أن تجعل قوله ( فاعلموا ) تنزيلا لعلمهم منزلة العدم لعدم جريهم على ما يقتضيه من المبادرة إلى الدخول في الدين أو لمخالفة أحكام الدين أو من الامتعاض بالصلح الذي عقده الرسول .
وإنما قال تعالى ( من بعد ما جاءتكم البينات ) إعذارا لهم وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين لأنه ما أوحاه الله إلا لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين لأن الله عزيز لا يهن لأحد ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالة على عناية الله برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر .
وإن كان المراد الدخول في الإسلام أو الدوام عليه فالمعنى ( فإن زللتم ) : الاتصاف بما ينافي الأمر بالدخول في السلم والمراد بالبينات المعجزات الدالة على صدق الرسول نقل الفخر عن تفسير القاضي عبد الجبار دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وأن المؤاخذة تكون بعد حصول البيانات لا بعد حصول اليقين من المكلف لأنه غير معذور في عدم حصول اليقين إن كانت الأدلة كافية .
وفي الكشاف روى أن قارئا قرأ هذه الآية فإن الله غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره وقال لا يقول الحكيم كذا لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه اه وفي القرطبي عن تفسير النقاش نسبة مثل هذه القصة إلى كعب الأحبار وذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم وبجنبي أعرابي فقال كلام من هذا ؟ قلت كلام الله . قال : ليس هذا كلام الله فانتبهت فقرأت والله عزيز حكيم فقال أصبت هذا كلام الله فقلت أتقرأ القرآن ؟ قال لا قلت من أين علمت ؟ قال يا هذا عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع .
( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور [ 210 ] ) إن كان الإضمار جاريا على مقتضى الظاهر فضمير ينظرون راجع إلى معاد مذكور قبله وهو إما ( من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) وإما إلى ( من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) أو إلى كليهما لأن الفريقين ينتظرون يوم الجزاء فأخذ الفريقين ينتظره شكا في الوعيد بالعذاب والفريق الآخر ينتظره انتظار الراجي للثواب .
ونظيره قوله ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرون ) فانتظارهم أيام الذين خلوا انتظار توقع سوء وانتظار النبي معهم انتظار تصديق وعيده .
وإن كان الإضمار جاريا على خلاف مقتضى الظاهر فهو راجع إلى المخاطبين بقوله ادخلوا في السلم وما بعده أو إلى الذين زلوا المستفاد من قوله ( فإن زللتم ) وهو حينئذ التفات من الخطاب إلى الغيبة إما لمجرد تجديد نشاط السامع إن كان راجعا إلى المخاطبين بقوله ( يا أيها الذين آمنوا ) وإما لزيادة نكتة إبعاد المخاطبين بقوله ( فإن زللتم ) عن عز الحضور قال القرطبي هل ينظرون يعني التاركين الدخول في السلم وقال الفخر الضمير لليهود بناء على أنهم المراد من قوله ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ) أي يا أيها الذين آمنوا بالله وبعض رسله وكتبه على أحد الوجوه المتقدمة وعلى أن السلم أريد به الإسلام ونكتة الالتفات على هذا القول هي هي .
فإن كان الضمير لمن يعجبك أو له ولمن يشري نفسه فالجملة استئناف بياني لأن هاتين الحالتين العجيبتين في الخير والشر تثير أن سؤال من يسأل عن جزاء كلا الفريقين فيكون قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) جوابا لذلك وإن كان الضمير راجعا إلى الذين آمنوا فجملة ( هل ينظرون ) استئناف للتحريض على الدخول في الإسلام خشية يوم الجزاء أو طمعا في ثوابه وإن كان الضمير للذين زلوا من قوله ( فإن زللتم ) فالجملة بدل اشتمال من مضمون جملة ( فإن الله عزيز حكيم ) لأن معناه فإن زللتم فالله لا يفلتكم لأنه عزيز حكيم وعدم الإفلات يشتمل على إتيان أمر الله والملائكة وإن كان الضمير عائدا إلى اليهود فهو توبيخ لهم على مكابرتهم عن الاعتراف بحقية الإسلام .
A E
