وعلى كل الاحتمالات التي لا تتنافى فقد جاء نظم قوله هل ينظرون بضمير الجمع نظما جامعا للمحامل كلها مما هو أثر من آثار إعجاز هذا الكلام المجيد الدال على علم الله تعالى بكل شيء .
وحرف ( هل ) مفيد الاستفهام ومفيد التحقيق ويظهر أنه موضوع للاستفهام عن أمر يراد تحقيقه فلذلك قال أئمة المعاني إن هل لطلب تحصيل نسبة حكمية تحصل في علم المستفهم وقال الزمخشري في الكشاف : إن أصل هل أنها مرادفة قد في الاستفهام خاصة يعني قد التي للتحقيق وإنما اكتسبت إفادة الاستفهام من تقدير همزة الاستفهام معها كما دل عليه ظهور الهمزة معها في قول زيد الخيل : .
سائل فوارس بربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم وقال في المفصل : وعن سيبويه أن هل بمعنى قد إلا أنهم تركوا الألف قبلها ؛ لأنها لا تقع إلا في الاستفهام اه . يعني أن همزة الاستفهام التزم حذفها للاستغناء عنها بملازمة هل للوقوع في الاستفهام إذ لم يقل أحد أن هل ترد بمعنى قد مجردة عن الاستفهام فإن مواردها في كلام العرب وبالقرآن يبطل ذلك ونسب ذلك إلى الكسائي والفراء والمبرد في قوله تعالى ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر ) ولعلهم أرادوا تفسير المعنى لا تفسير الإعراب ولا نعرف في كلام العرب اقتران هل بحرف الاستفهام إلا في هذا البيت ولا ينهض احتجاجهم به لإمكان تخريجه على أنه جمع بين حرفي استفهام على وجه التأكيد كما يؤكد الحرف في بعض الكلام كقول مسلم بن معبد الوالبي : .
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء فجمع بين لامي جر وأياما ما كان فإن هل تمحضت لإفادة الاستفهام في جميع مواقها وسيلأتي هذا في تفسير قوله تعالى ( هل أتى على الإنسان حين من الهر ) في سورة الإنسان .
والاستفهام إنكاري لا محال بدليل الاستثناء فالكلام خبر في صورة الاستفهام . والنظر : الانتظار والترقب يقال نظره بمعنى ترقبه لأن الذي يترقب أحد يوجه نظره إلى صوبه ليرى شبحه عندما يبدوا وليس المراد هنا نفي النظر البصري أي لا ينظرون بأبصارهم في الآخرة إلا إتيان أمر الله والملائكة لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك إلا أن يراد أن رؤيتهم غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر الله فيكون قصرا ادعائيا أو تسلب أبصارهم من النظر لغير ذلك .
وهذا المركب ليس مستعملا فيما وضع له من الإنكار بل مستعملا إما في التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير وإما الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه وإما في القدر المشترك وهو العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعا للفريقين وإما التهكم إن كان المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين فأما اليهود فإنهم كانوا يقولون لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة .
ويجوز هذا أن يكون خبرا عن اليهود : أي أنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى يروا الله تعالى في ظل من الغمام على نحو قوله تعالى ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) .
وأما المشركون فإنهم قد حكى الله عنهم ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى قوله - أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) وسيجيء القول مشبعا في موقع هذا التركيب ومعناه عند الكلام على قوله تعالى ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) في سورة البقرة .
و ( الظلل ) بضم ففتح اسم جمع ظله والظلة تطلق على معان والذي تلخص لي من حقيقتها في اللغة أنها اسم لشبه صفة مرتفعة في الهواء تتصل بجدار أو ترتكز على أعمدة يجلس تحتها لتوقي شعاع الشمس فهي مشتقة من اسم الظل جعلت على وزن فعلة بمعنى مفعول أو مفعول بها مثل القبضة بضم القاف لما يقبض باليد والغرفة بضم الغين لما يغترف باليد كقوله تعالى ( إلا من اغترف بيده ) في قراءة بعض العشرة بضم الغين .
وهي هنا مستعارة أو مشبه بها تشبيها بليغا : السحابات العظيمة التي تشبه كل سحابة منها ظله القصر .
و ( من الغمام ) بيان للمشبه وهو قرينة الاستعارة ونظيره قوله تعالى ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) .
A E
