وقوله تعالى ( في ظلل من الغمام ) أشد إشكالا من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية وهي مستحيلة على الله تعالى وتأويله إما بأن ( في ) بمعنى الباء أي ( يأتيهم بظلل من الغمام ) وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو اليح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيويا أو ( في ظلل من الغمام ) تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب أو على كلامه تعالى أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني وفي تفسير القرطبي والفخر قيل : إن في الآية تقديما وتأخيرا وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام فالغمام ظرف لإتيان الملائكة وروى أن ابن مسعود قرأها كذلك وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل فأما على جعل ضمير ينظرون مقصودا به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكما أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عند الدخول في الإسلام ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين فإنهم قالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة واعتقدوا أن الله في الغمام أو يكون المراد تعريضا بالمشركين وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان .
وقرأه الجمهور ( والملائكة ) بالرفع عطفا على اسم الجلالة وإسناد الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملا في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازا في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقته في الإسناد ولا مانع من ذلك ؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة قال حميد بن ثور يمدح عبد الملك : .
أتاك بي الله الذي نور الهدى ... ونور وإسلام عليك دليل فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسناد حقيقي ثم أسنده بالعطف للنور والإسلام وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما : سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال ( عليك دليل ) . وقرأ أبو جعفر ( والملائكة ) بجر ( الملائكة ) عطف على ( ظلل ) .
وقوله ( وقضي الأمر ) إما عطف على جملة هل ينظرون إن كانت خبرا على المخبر عنهم والفعل الماضي هنا مراد منه المستقبل ولكنه أتى فيه بالماضي تنبيها على تحقيق وقوعه أو قرب وقوعه والمعنى ما ينتظرون إلا يأتيهم الله وسوف يقضي الأمر وإما عطف على جملة هل ينظرون وعيدا أو وعدا والفعل كذلك للاستقبال والمعنى ما يترقبون إلا مجيء أمر الله وقضاء الأمر .
وإما جملة حالية والماضي على أصله وحذفت قد سواء كانت جملة هل ينظرون خبرا أو وعدا ووعيدا أي وحينئذ قد قضي الأمر وإما تنبيه على أنهم إذا كانوا ينتظرون لتصديق محمد أن يأتيهم الله والملائكة فإن ذلك إن وقع يكون قد قضي الأمر أي حق عليهم الهلاك كقوله ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) .
والقضاء : الفراغ والإتمام .
والتعريف في ( الأمر ) إما للجنس مراد منه الاستغراق أي قضيت الأمور كلها وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو الجزاء .
وقوله ( وإلى الله ترجع الأمور ) تذييل جامع لمعنى : وقضي الأمر .
والرجوع في الأصل : المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع ويستعمل مجازا في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره فمنه ( ألا إلى الله تصير الأمور )
