ويجئ فعل رجع متعديا : تقول رجعت زيدا إلى بلده ومصدره الرجع ويستعمل رجع قاصرا تقول : رجع زيد إلى بلده ومصدره الرجوع وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب ترجع بضم التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجعه مبنيا للمفعول أي يرجع الأمور راجعها إلى الله وحذف الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عرفي لهذا الرجع أو حذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلا للرجوع ومفعولا له بحرف إلى وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره الرجوع فالأمور فاعل ترجع .
A E ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب [ 211 ] ) تتنزل هذه الآية من التي قبلها منزلة البرهان على معنى الجملة السابقة فإن قوله ( هل ينظرون ) سواء كان خبرا أو وعيدا أو وعدا أم تهكما وأيا ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة وقد دل بكل احتمال على تعريض بفرق ذوي غرور وتماد في الكفر وقلة انتفاع بالآيات البينات فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلغهم من قلة انتفاع بني إسرائيل بما أوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غناء الآيات لديهم على كثرتها فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيمانا ضعيفا ثم بدلوا الدين بعد ذلك تبديلا .
وعلى احتمال أن يكون الضمير في ( ينظرون ) لأهل الكتاب : أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله ( بني إسرائيل ) لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذ أشد : أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان المناسب لهم أن يبادروا بالإيمان بالرسول محمد A ؛ لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسل وعلى كل فهذه الآية وما بعدها معترضات بين أغراض التشريع المتتابعة في هذه السورة .
و ( سل ) أمر من سأل يسأل أصله اسأل فحذفت الهمزة تخفيفا بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها إلحاقا لها بنقل حركة حرف العلة لشبه الهمزة بحرف العلة فلما تحرك أول المضارع استغنى عن اجتلاب همزة الوصل وقيل : سل أمر من سأل الذي جعلت همزته ألفا مثل الأمر من خاف يخاف خف والعرب يكثرون من هذا التخفيف في سأل ماضيا وأمرا ؛ إلا أن الأمر إذا وقع بعد الواو والفاء تركوا هذا التخفيف غالبا .
والمأمور بالسؤال هو الرسول ؛ لأنه الذي يترقب أن يجيبه بنو إسرائيل عن سؤاله ؛ إذ لا يعبأون بسؤال غيره ؛ لأن المراد بالسؤال سؤال التقرير للتقريع ولفظ السؤال يجئ لما تجئ له أدوات الاستفهام .
والمقصود من التقرير إظهار إقرارهم لمخالفتهم لمقتضى الآيات فيجئ من هذا التقرير التقريع فليس المقصود تصريحهم بالإقرار ؛ بل مجرد كونهم لا يسعهم الإنكار .
والمراد ب ( بني إسرائيل ) الحاضرون من اليهود . والضمير في آتيناهم لهم والمقصود إيتاء سلفهم ؛ لأن الخصال الثابتة لأسلاف القبائل والأمم يصح إثباتها للخلف لترتب الآثار للجميع كما هو شائع في مصطلح الأمم الماضية من العرب وغيرهم .
ويجوز أن يكون معنى إيتائهم الآيات أنهم لما تناقلوا آيات رسلهم في كتبهم وأيقنوا بها فكأنهم أوتوها مباشرة .
و ( كم ) اسم للعدد المبهم فيكون للاستفهام ويون للإخبار وإذا كانت للإخبار دلت على عدد كثير مبهم ؛ ولذلك تحتاج إلى مميز في الإخبار وهي هنا استفهامية كما يدل عليه وقوعها في حيز السؤال فالمسؤول عنه هو عد الآيات .
وحق سأل أن يتعدى إلى مفعولين من باب كسا أي ليس أصل مفعوليه مبتدأ وخبرا وجملة كم آتيناهم لا تكون مفعوله الثاني ؛ إذ ليس الاستفهام مطلوبا بل هو عين الطلب ففعل سل معلق عن المفعول الثاني لأجل الاستفهام وجملة ( كم آتيناهم ) في موقع المفعول الثاني سادة مسده .
A E
