والتعليق يكثر في الكلام في أفعال العلم والظن إذا جاء بعد الأفعال استفهام أو نفي أو لام ابتداء أو لام قسم وألحق بأفعال العلم والظن ما قارب معناها من الأفعال قال في التسهيل ( يشاركهن فيه " أي التعليق " مع الاستفهام نظر وتفكر وأبصر وسأل ) وذلك كقوله تعالى ( يسألون أيان يوم الدين ) ولما أخذ سأل هنا مفعوله الأول فقد علق عن المفعول الثاني فإن سبب التعليق هو مضمون الكلام الواقع بعد الحرف الموجب للتعليق ليس حالة من حالات المفعول الأول فلا يصلح لأن يكون مفعولا ثانيا للفعل الطالب مفعولين قال سيبويه " لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض فلا يكون مبتدأ لا يعمل فيه سئ قبله " اه وذلك سبب لفظي مانع من تسلط العامل على معموله لفظا وإن كان لم يزل عاملا فيه معنى وتقديرا فكانت الجملة باقية في محل المعمول وأداة الاستفهام من بين بقية موجبات التعليق أقوى في إبعادها معنى ما بعدها عن العامل الذي يطلبه لأن الكلام معها استفهام ليس من الخبر في شئ إلا أن ما تحدثه أداة الاستفهام من معنى الاستعلام هو معنى طارئ في الكلام غير مقصود بالذات بل هو ضعف بوقوعه بعد عامل خبري فصار الاستفهام صوريا فلذلك لم يبطل عمل العامل إلا لفظا فقولك : علمت هل قام زيد قد دل علم على أن ما بعده محقق فصار الاستفهام صوريا وصار التعليق دليلا على ذلك ولو كان الاستفهام باقيا على أصله لما صح كون جملته معمولة للعامل المعلق قال الرضي : " إن أداة الاستفهام بعد العلم ليست مفيدة للاستفهام المتكلم بها للزوم التناقض بين علمت وأزيد قائم بل هي لمجرد الاستفهام والمعنى علمت الذي يستفهم الناس عنه اه " فيجئ من كلامه أن قولك علمت أزيد قائم بقوله : من علم شيئا يجهله الناس أو يعتنون بعلمه بخلاف قولك علمت زيدا قائما وقد يكون الاستفهام الواو بعد السؤال حكاية للفظ السؤال فتكون جملة للاستفهام بيانا لجملة السؤال قال صدر الأفاضل في قول الحريري " سألناه أنى اهتديت إلينا " أي سألناه هذا السؤال اه . وهو يتأتى في هذه الآية .
ويجوز أن يضمن سل معنى القول أي فيكون مفعوله الثاني كلاما فقد أعطى سل مفعولين : أحدهما مناسب لمعنى لفظه والآخر مناسب لمعنى المضمن .
وجوز التفتازاني في شرح الكشاف أن جملة ( كم آتيناهم ) بيان للمقصود من السؤال أي سلهم جواب هذا السؤال قال السلكوتي في حاشية المطول : فتكون الجملة واقعة موقع المفعول أي ولا تعليق في الفعل .
وجوز صاحب الكشاف أن تكون ( كم ) خبرية أي فتكون ابتداء كلام وقد قطع فعل السؤال عن متعلقه اختصار لما دل عليه ما بعده أي سلهم عن حالهم في شكر نعمة الله فبذلك حصل التقويع . ويكون كم آتيناهم تدرجا في التقريع بقرينة ومن يبدل نعمة الله ولبعد كونها خبرية أنكره أبو حيان على صاحب الكشاف وقال إنه يفضي إلى اقتطاع الجملة فيها كم عن جملة السؤال مع أن المقصود السؤال عن النعم .
و ( من آية بينة ) تمييز ( كم ) دخلت عليه من التي ينتصب تمييز كم الاستفهامية على معناها والتي يجر تمييز كم الخبرية بتقديرها ظهرت في بعض المواضع تصريحا بالمقدر لأن كل حرف ينصب مضمرا يجوز ظهوره إلا في مواضع مثل إضمار أن بعد حتى قال الرضي : إذا فصل بين كم الخبرية والاستفهامية وبين مميزها بفعل متعد وجب جر التمييز بمن " أي ظاهره " لئلا يلتبس التمييز بالمفعول ونحو قوله تعالى ( كم تركوا من جنات وعيون ) و ( كم أهلكنا من قرية ) اه أي لئلا يلتبس بمفعول ذلك الفعل الفاصل أو هو للتنبيه من أول الأمر على أنه تمييز لا مفعول إغاثة لفهم السامع وذلك من بلاغة العرب وعندي أن موجب ظهور من في حالة الفصل هو بعد المميز لا غير وقيل : ظهور " من " واجب مع الفصل بالفعل المتعدى وجائز مع الفصل بغيره كما نقل عبد الحكيم عن اليمني والتفتازاني في شرحي الكشاف .
وفي الكافية أن ظهور " من " في مميز كم الخبرية والاستفهامية جائز كذا أطلقه ابن الحاجب لكن الرضي قال إنه لم يعثر على شاهد عليه في كم الاستفهامية إلا مع الفصل بالفعل وأما في كم الخبرية فظهور " من " موجود بكثرة بدون الفصل والظاهر أن ابن الحاجب لم يعبأ بخصوص الأمثلة التي ذكرها الرضي وإنما اعتد بظهور من قي المميز وهو الظاهر .
A E
