و " الآية " هنا المعجزة ودليل صدق الرسل أو الكلمات الدالة على مجيء محمد A فإنها آية لموسى ؛ إذ أخبر بها قبل قرون وآية لحمد E إذ كان التبشير به قبل وجوده بقرون ووصفها بالبينة على الاحتمالين مبالغة في الصفة من فعل بأن أي ظهر فيكون الظهور ظهور العيان على الوجه الأول وظهور الدلالة على الوجه الثاني وفي هذا السؤال وصيغته حذف دل عليه قوله : ومن يبدل نعمة الله تقديره فبدلوها ولم يعلموا بها .
وقوله ( ومن يبدل نعمة الله ) تذييل لجملة ( سل بني إسرائيل آتيناهم ) إلخ أفاد أن المقصود أولا من هذا الوعيد بنو إسرائيل المتحدث عنهم بقوله : سل بني إسرائيل وأفاد أن بني إسرائيل قد بدلوا نعمة الله تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلا لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدل نعم الله مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء فيغني مثله في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازا بديعا من إيجاز الحذف وإيجاز القصر معا ؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة عليهم فلم يقدروها حق قدرها فبدلوا نعمة الله بضدها بعد ظهورها فاستحقوا العقاب ؛ لأن من يبدل نعمة الله فالله معاقبه ولأنه يفيد بهذا العموم حكما يشمل المقصودين وغيرهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضا يشبه التصريح ونظيره أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل الله بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب فيما حدثك وإلا لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع .
وإنما أثبت للآيات أنها نعم ؛ لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعما لأن دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن بصيرة لمن لم يكن اتبعه وتزيد اللذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى ( فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ) وبذلك التصديق يحصل تلقي الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وأجله وإن كانت الآيات الكلام الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم لأنها قصد بها تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثه الرسول لئلا يترددوا في صدقة بعد انطباق العلامات التي ائتمنوا على حفظها .
والتبديل على الوجه الأول تبديل الوصف بأن أعرضوا عن تلك الآيات فتبدل المقصود منها إذ صارت بالإعراض سبب شقاوتهم في الدنيا والآخرة لأنها لو لم تؤت لهم لكان خيرا لهم في الدنيا ؛ إذ يكونون على سذاجة هم بها أقرب إلى فعل الخير منهم بعد قصد المكابرة والإعراض ؛ لأنهما تعمدا لارتكاب الشرور وفي الآخرة أيضا لأن العقاب على الكفر يتوقف على الدعوة وظهور المعجزة وقد أشبههم في هذا التبديل المشركون بإعراضهم عن القرآن والتدبر في هديه أو التبديل بأن استعملوا تلك الآيات في غير المراد منها بأن جعلوها أسباب غرور فإن الله ما آتى رسولهم تلك الآيات إلا لتفضيل أمته فتوكأوا على ذلك وتهاونوا على الدين فقالوا ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وقالوا ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) .
والتبديل جعل شئ بدلا عن آخر أي تعويضه به فيكون تعويض ذات بذات وتعويض وصف بوصف كقول أبي الشيص : .
بدلت من برد الشباب ملاءة ... خلقا وبئس مثوبة المقتاض فإنه أراد تبديل حالة الشباب بحالة الشيب وكقول النابغة : .
عهدت بها حيا فبدلت ... خناظيل آجال النعاج الجوافل وليس قوله ( نعمة الله ) من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير بأن يكون الأصل ومن يبدلها أي الآيات ( فإن الله شديد العقاب ) ؛ لظهور أن في لفظ نعمة الله معنى جامعا للآيات وغيرها من النعم .
وقوله ( من بعد ما جاءته ) المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة والتمكن لأنها من لوازم المجيء عرفا .
وإنما جعل العقاب مترتبا على التبديل بعد هذا التمكن للدلالة على أنه تبديل عن بصيرة لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم ( ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) .
وحذف ما بدل به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء التأويل .
A E