والعقاب ناشئ من تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها ولا يكون تبديل إلا لقصد مخالفتها وإلا لكان غير تبديل بل تأييدا وتأويلا بخلاف قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ) لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به والمبدلون في تلك الآية غير المراد من المبدلين في هذه لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها ( وجعلوا لله أندادا ) .
وقوله ( فإن الله شديد العقاب ) دليل جواب الشرط وهو علته لأن جعل هذا الحكم العام جوابا للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم هذا الجواب فكون الله شديد العقاب أمر محقق معلوم فذكره لم يقصد منه الفائدة لأنها معلومة : بل التهديد فعلم أن المقصود تهديد المبل فدل على معنى : فالله يعاقبه لأن الله شديد العقاب ومعنى شدة عقابه : أنه لا يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب وقد جوز أن يكون فإن الله شديد العقاب نفس جواب الشرط يجعل أل في العقاب عن الضمير المضاف إليه أي شديد معاقبته .
وإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال : فإنه شديد العقاب لإدخال الروع في ضمير السامع وتربية المهابة ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامع مستقلا بنفسه لأنها بمنزلة المثل أمر قد علمه الناس من قبل والعقاب هو الجزاء المؤلم عن جناية وجرم سمى عقابا لأنه يعقب الجناية .
( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب [ 212 ] ) استئناف بالرجوع إلى أحوال كفار العرب المعنيين من الآيات السابقة قصدا وتعريضا من قوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والمحتج عليهم بقوله : ( سل بني إسرائيل ) استئنافا لبيان خلقهم العجيب المفضي بهم إلى قلة الاكتراث بالإيمان وأهله وإلى الاستمرار على الكفر وشعبه التي سبق الحديث عنها فعن ابن عباس المراد : رؤساء قريش فهذا الاستئناف في معنى التعليل للأحوال الماضية ولأجل ذلك قطع عن الجمل السابقة لا سيما وقد حال بينه وبينها الاستطراد بقوله : سل بني إسرائيل الآية وليس المراد بالذين كفروا أهل الكتاب من معلن ومنافق كما روى عن مقاتل لأنه ليس من اصطلاح القرآن التعبير عنهم بالذين كفروا ولأنهم لو كانوا هم المراد لقيل زين لهم الحياة الدنيا لأنهم من بني إسرائيل ولأن قوله : ويسخرون من الذين آمنوا يناسب حال المشركين لا حال أهل الكتاب كما سيأتي .
والتزيين : جعل الشيء زينا أو الاحتجاج لكونه زينا لأن التفعيل يأتي للجعل ويأتي للنسبة كالتعليم وكالتفسيق والتزكية والزين شدة الحسن .
والحياة الدنيا مراد بها ما تشتمل عليه الحياة من اللذات والملائمات والذوات الحسنة وهذا إطلاق مشهور للحياة وما يرادفها ؛ ففي الحديث : من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أي إلى منافع دنيا وهو على حذف مضاف اشتهر حذفه .
ومعنى تزيين الحياة لهم إما أن ما خلق زينا في الدنيا قد تمكن من نفوسهم واشتد توغلهم في استحسانه لأن الأشياء الزينة هي حسنة في أعين جميع الناس فلا يختص الذين كفروا بدعلها لهم زينة كما هو مقتضى قوله : للذين كفروا ؛ فإن اللام تشعر بالاختصاص وإما ترويج تزيينها في نفوسهم بدعوة شيطانية تحسن ما ليس بالحسن كالأقيسة الشعرية والخواطر الشهوية والمزين على المعنى الأول هو الله تعالى إلا أنهم أفرطوا في الإقبال على الزينة والمزين على المعنى الثاني هو الشيطان ودعاته .
وحذف فاعل التزيين لأن المزين لهم أمور كثيرة : منها خلق بعض الأشياء حسنة بديعة كمحاسن الذوات والمناظر ومنها إلقاء حسن بعض الأشياء في نفوسهم وهي غير حسنة كقتل النفس ومنها إعراضهم عمن يدعوهم إلى الإقبال على الأمور النافعة حتى انحصرت هممهم في التوغل من المحاسن الظاهرة التي تحتها العار لو كان باديا ومنها ارتياضهم على الانكباب على اللذات دون الفكر في المصالح إلى غير ذلك من أمور يصلح كل منها أن يعد فاعلا للتزيين حقيقة أو عرفا فلأجل ذلك طوى ذكر هذا الفاعل تجنبا للإطالة .
A E
