ويجوز أن يكون حذف الفاعل لدقته إذ المزين لهم الدنيا أمر حفي فيحتاج في تفصيله إلى شرح في أخلاقهم وهو ما اكتسبته نفوسهم من التعلق باللذات وبغيرها من كل ما حملهم على التعلق به التنافس أو التقليد حتى عموا عما في ذلك من الأضرار المخالطة للذات أو من الأضرار المختصة المغشاة بتحسين العادات الذميمة وحملهم على الدوام عليه ضعف العزائم الناشئ عن اعتياد الاسترسال في جلب الملائمات دون كبح لأزمة الشهوات ولأجل اختصاصهم بهذه الحالة دون المؤمنين ودون بعض أهل الكتاب الذين ربت الأديان فيهم عزيمة مقاومة دعوة النفوس الذميمة بتعريفهم ما تشتمل عليه تلك اللذات من المذكات وبأمرهم بالإقلاع عن كل ما فيه ضر عاجل أو آجل حتى يجردوها عنها إن أرادوا تناولها وينبذوا ما هو ذميمة محضة وراضتهم على ذلك بالبشائر والزواجر حتى صارت لهم ملكة فلذلك لم تزين الدنيا لهم لأن زينتها عندهم ومعرضة للحكم عليها بالإثبات تارة وبالنفي أخرى فإن من عرف ما في الأمر الزين ظاهره من الإضرار والقبائح انقلب زينه عمده شينا خص التزيين بهم إذ المراد من قوله ( زين للذين كفروا ) ذمهم والتحذير من خلقهم ولهذا لزم حمل التزيين على تزيين يعد ذما فلزم أن يكون المراد منه تزيينا مشوبا بما يجعل تلك الزينة مذمة وإلا فإن أصل تزيين الحياة الدنيا المقتضي للرغبة فيما هو زين أمر ليس بمذموم إذا روعي فيه ما أوصى الله برعيه قال تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) .
وقد استقريت مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع : الأول ما ليس بزين أصلا لا ذاتا ولا صفة لأن جمعية ذم وأذى ولكنه زين للناس بأوهام وخواطر شيطانية وتخييلات شعرية كالخمر . الثاني ما هو زين حقيقة لكن له عواقب تجعله ضرا وأذى كالزنا . الثالث ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميما كنجدة الظالم وقد حضر لي التمثيل لثلاثتها بقول طرفة : .
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي .
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد .
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد .
وكري إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد وقول ( ويسخرون من الذين آمنوا ) عطف على جملة ( زين للذين كفروا ) إلخ وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التناهي في الغرور ؛ إذ لم يقتصروا على افتتانهم بزهرة الحياة الدنيا حتى سخروا بمن لم ينسج على منوالهم من المؤمنين الذين تركوا كثيرا من زهرة الحياة الدنيا لما هداهم الدين إلى وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث .
والسخر بفتحتين : كالفرح وقد تسكن الخاء تخفيفا وفعله كفرح والسخرية الاسم وهو تعجب مشوب باحتقار الحال المتعجب منها وفعله قاصر لدلالته على وصف نفسي مثل عجب ويتعدى بمن جاره لصاحب الحال المتعجب منها فهي ابتدائية ابتداء معنويا وفي لغة تعديته بالباء وهي ضعيفة .
ووجه سخيرتهم بالمؤمنين أنهم احتقروا رأيهم في إعراضهم عن اللذات لامتثال أمر الرسول وأفنوهم في ذلك ورأوهم قد أضاعوا حظوظهم وراء أوهام باطلة لأن الكفار اعتقدوا أن ما مضى من حياتهم في غير نعمة قد ضاع عليهم إذ لا خلود في الدنيا ولا حياة بعدها كما قال الشاعر " أنشده شمر " : .
وأحمق ممن يلعق الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد فالسخرية ناشئة عن تزيين الحياة عندهم ولذلك يصح جعل الواو للحال ليفيد تقييد حالة التزيين بحالة السخرية فتتلازم الحالان ويقدر للجملة مبتدأ أي هم يسخرون وقد قيل إن من جملة من كان الكفار يسخرون منهم بلالا وعمارا وصهيبا يقولون : هؤلاء المساكين تركوا الدنيا وطيباتها وتحملوا المشاق لطلب ما يسمونه بالآخرة وهي شيء باطل وممن كان يسخر بهم عبد الله بن أبي والمنافقون .
A E
