وجيء في فعل التزيين بصيغة الماضي وفي فعل السخرية بصيغة المضارع قضاء لحقي الدلالة على أن معنيي فعل التزيين أمر مستقر فيهم ؛ لأن الماضي يدل على التحقق وأن معنى يسخرون متكرر متجدد منهم ؛ لأن المضارع يفيد التجدد ويعلم السامع أن ما هو محقق بين الفعلين هو أيضا مستمر ؛ لأن الشيء الراسخ في النفس لا تفتر عن تكريره ويعلم أن ما كان مستمرا هو أيضا محقق ؛ لأن الفعل لا يستمر إلا وقد تمكن من نفس فاعله وسكنت إليه فيكون المعنى في الآية : زين للذين كفروا وتزين الحياة الدنيا وسخروا ويسخرون من الذين آمنوا وعلى هذا فإنما اختير لفعل التزيين خصوص المضي ولفعل السخرية خصوص المضارعة إيثار لكل من الصفتين بالفعل التي هي به أجدر ؛ لأن التزيين لما كان هو الأسبق في الوجود وهو منشأ السخرية أوثر بما يدل على التحقق ليدل على ملكة واعتمد في دلالته على الاستمرار بالاستتباع والسخرية لما كانت مترتبة على التزيين وكان تكررها يزيد في الذم إذ لا يليق بذي المروة السخرية بغيره أوثرت بما يدل على الاستمرار واعتمد في دلالتها على التحقق دلالة الالتزام لأن الشيء المستمر لا يكون إلا متحققا .
وقوله ( والذين اتقوا فوقهم ) أريد من الذين اتقوا المؤمنون الذين سخر منهم الذين كفروا ؛ لأن أولئك المؤمنين كانوا متقين وكان مقتضى الظاهر أن يقال وهم فوقهم لكن عدل عن الإضمار إلى اسم ظاهر لدفع إيهام أن يغتر الكافرون بأن الضمير عائد إليهم ويضموا إليه كذبا وتلفيقا كما فعلوا حين سمعوا قوله تعالى ( أفرأيتم اللات والعزى ) إذ سجد المشركون وزعموا أن محمدا أثنى على آلهتهم .
فعدل لذلك عن الإضمار إلى الإظهار ولكنه لم يكن بالاسم الذي سبق أعني ( الذين آمنوا ) لقصد التنبيه على مزية التقوى وكونها سببا عظيما في هذه الفوقية على عادة القرآن في انتهاز فرص الهدى والإرشاد ليفيد فضل المؤمنين على الذين كفروا وينبه المؤمنين على وجوب التقوى لتكون سبب تفوقهم على الذين كفروا يوم القيامة وأما المؤمنون غير المتقين فليس من غرض القرآن أن يعبأ بذكر حالهم ليكونوا دوما بين شدة الخوف وقليل الرجاء وهذه عادة القرآن في مثل هذا المقام .
والفوقية هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسيادة كما استعير التحت لحالة الفضول والمسخر والمملوك .
وقيدت بيوم القيامة تنصيصا على دوامها لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية . فإن قلت : كيفما كان حظ المؤمنين من كثرة التقوى وقلتها إنهم فوق الذين كفروا يوم القيامة بالإيمان والمقام مقام التنويه بفضل المؤمنين فكان الأحق بالذكر هنا وصف ( الذين آمنوا ) قلت : وأما بيان مزية التقوى الذي ذكرته فله مناسبات أخرى . قلت الآية تعريض بأن غير المتقين لا تظهر مزيتهم يوم القيامة وإنما تظهر بعد ذلك لأن يوم القيامة هو مبدأ أيام الجزاء فغير المتقين لا يظهر لهم التفوق يومئذ ولا يدركه الكفار بالحس قال تعالى ( اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) نعم تظهر مزيتهم بعد انقضاء ما قدر لهم من العذاب على الذنوب .
روى عن ابن عباس أن الآية نزلت في سادة قريش بمكة سخروا من فقراء المؤمنين وضعفائهم فأعلمهم الله أن فقراء المؤمنين خير منهم عند الله ووعد الله الفقراء بالرزق وفي قوله : من يشاء تعريض بتهديد المشركين بقطع الرزق عنهم وزوال حظوتهم .
وقوله ( والله يرزق من يشاء ) إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة لأن التذييل لا بد أن يكون مرتبطا بما قبله فالسامع يعلم من هذا التذييل معنى محذوفا تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط بها الوصف لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضل الله لا نهاية له ولأن سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم .
والحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدرات الرزق وقد شاعت هذه الكناية في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يعدون بالأصابع ويحيط بها العد كناية عن القلة ومنه قولهم شئ لا يحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم : .
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب A E
