( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) استئناف لبيان أن اختلاف الأديان أمر كان من البشر لحكمة اقتضته وأنه ارتفع ذلك ورجع الله بالناس إلى وحدة الدين بالإسلام .
والمناسبة بينها وبين ما تقدمها تحتمل وجوها : الأول : قال فخر الدين : إن الله تعالى لما بين في قوله ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو استبدالهم الدنيا بالآخرة بين في هذه الآية أن هذه الحالة مختصة بالذين كفروا بمحمد A بل كانت حاصلة في الأزمنة المتقادمة لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق وما كان اختلافهم لسبب البغي والتحاسد في طلب الدنيا اه فتكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لتنظير ما لقيه المسلمون بما كان في الأمم الغابرة .
الثاني : يؤخذ من كلام الطيبي عند قوله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) أخذ من كلام الكشاف أن المقصود من قوله ( كان الناس أمة واحدة ) تشجيع الرسول عليه السلام والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين بذكر ما قابلت به الأمم السالفة أنبياءها وما لقوا فيها من الشدائد اه فالمناسبة على هذا في مدلول قوله تعالى ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون ) إلخ وتكون الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا للمناسبة .
والظاهر عندي أن موقع هذه الآية هنا جامع لموقع تذييل لما قبلها ومقدمة لما بعدها : فأما الأول فلأنها أفادت بيان حالة الأمم الماضية كيف نشأ الخلاف بينهم في الحق مما لأجله تداركهم الله ببعثات الرسل في العصور والأجيال التي اقتضتها حكمة الله ولطفه مما يماثل الحالة التي نشأت فيها البعثة المحمدية وما لقيه الرسول والمسلمون من المشركين .
وأما الثاني فلأنها مقدمة لما يرد بعدها من ذكر اختصاص الإسلام بالهداية إلى الحق الذي اختلف فيه الأمم وهو مضمون قوله تعالى ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ) إلى قوله ( إلى صراط مستقيم ) وذلك من خصائص كون الإسلام مهيمنا على ما سبقه من الشرائع الإلهية وتفضيله على جميع الأديان وأن هذه المزية العظمى يجب الاعتراف بها وألا تكون مثار حسد للنبي وأمته ردا على حسد المشركين إذ يسخرون من الذين آمنوا وعلى حسد أهل الكتاب الذي سبق التنبيه عليه في قوله تعالى ( سيقول السفهاء من الناس ما ولهم عن قبلتهم ) إلى قوله ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .
وحصلت عموم ذلك تعليم المسلمين تاريخ أطوار الدين بين عصور البشر بكلمات جامعة ختمت بقوله ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) فإن كان المراد من كونهم أمة واحدة : الوحدة في الخير والحق وهو المختار كما سيأتي فقد نبه الله أن الناس اختلفوا فبعث لهم أنبياء متفرقين لقصد تهيئة الناس للدخول في دين واحد عام فالمناسبة حاصلة مع جملة ( ادخلوا في السلم كافة ) بناء على أنها خطاب لأهل الكتاب أي ادخلوا في دين الإسلام الذي هدى الله به المسلمين .
وإن كان المراد من كون الناس أمة واحدة : الوحدة في الضلال والكفر يكن الله قد نبههم أن بعثة الرسل تقع لأجل إزالة الكفر والضلال الذي يحدث في قرون الجهالة فكذلك انتهت تلك القرون إلى القرن الذي أعقبته بعثة محمد A فتكون الآية تثبيتا للمؤمنين فالمناسبة حاصلة مع قوله ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) .
فالمعنى أن الإسلام هدى إلى شريعة تجمع الناس كلهم تبيينا لفضيلة هذا الدين واهتداه أهله إلى ما لم يهتد إليه غيرهم مع الإشارة إلى أن ما تقدمه من الشرائع تمهيد له وتأسيس به كما سنبينه عند قوله ( فهدي الله الذين آمنوا ) .
والناس اسم جمع ليس له مفرد من لفظه و " أل " فيه للاستغراق لا محالة وهو هنا للعموم أي البشر كلهم إذ ليس ثمة فريق معهود ولكنه هموم عرفي مبني على مراعاة الغالب الأغلب وعدم الاعتداد بالنادر لظهور أنه لا يخلو زمن غلب فيه الخير عن أن يكون بعض الناس فيه شريرا مثل عصر النبوة ولا يخلو زمن غلب فيه الشر من أن يكون بعض الناس فيه خيرا مثل نوح " وما آمن معه إلا قليل " .
A E