والأمة بضم الهمزة : اسم للجماعة الذين أمرهم واحد مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها .
والوصف : ( واحدة ) في الآية لتأكيد الإفراد في قوله أمة لدفع توهم أن يكون المراد من الأمة القبيلة فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد .
والوحدة هنا : مراد بها الاتحاد والتماثل في الدين بقرينة تفريع فبعث الله النبيين الخ فيحتمل أن يكون المراد كانوا أمة واحدة في الحق والهدى أي كان الناس على ملة واحدة من الحق والتوحيد وبهذا المعنى روي الطبري تفسيرها عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر بن زيد وهو مختار الزمخشري قال الفخر : وهو مختار أكثر المحققين قال القفال : بدليل قوله تعالى بعده ( فبعث الله النبيين ) إلى قوله ( فيما اختلفوا فيه ) لأن تفريع الخبر ببعثة النبيين على الجملة السابقة وتعليل البعث بقوله ( ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) انتظم من ذلك كلام من بليغ الإيجاز وهو أن الناس كانوا أمة واحدة فجاءتهم الرسل بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ليدوموا على الحق خشية انصرافهم عنه إذا ابتدأ الاختلاف يظهر وأيدهم الله بالكتب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه فلا جرم أن يكون مجيء الرسل لأجل إبطال اختلاف حدث وأن الاختلاف الذي يحتاج إلى بعثة الرسل هو الاختلاف الناشئ بعد الاتفاق على الحق كما يقتضيه التفريع على جملة كان الناس أمة واحدة بالفاء في قوله ( فبعث الله النبيين ) وعلى صريح قوله ( ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) .
ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله أمة واحدة لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله الخ ولو كان المراد أنهم كانوا أمة واحدة في الضلاب لصح تفريع البعثة على نفس هذا الكون بلا تقدير ولولا أن القرينة صرفت عن هذا لكان هو المتبادر ولهذا قال ابن عطية كل من قدر الناس في الآية كانوا مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة الرسل إليهم اه .
ويؤيد هذا القدير قوله في آية سورة يونس ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة .
والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية ( ألست بربكم ) وأنها ما غشاها إلا تلقين الضلال وترويج الباطل وأن الله بعث النبيين لإصلاح الفطرة إصلاحا جزئيا فكان هديهم مختلف الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم فكان من الأنبياء الميسر ومنهم المغلظ وأنه بعث محمدا لإكمال ذلك الإصلاح وإعادة الناس إلى الوحدة على الخير والهدي وذلك معنى قوله ( فهدى الله الذين آمنوا ) الخ وعن عطاء والحسن أن المعنى كان الناس أمة واحدة متفقين على الضلال والشر وهو يروي عن ابن عباس أيضا وعليه فعطف قوله فبعث الله النبيين عطف على اللفظ الظاهر لا تقدير معه أي كانوا كذلك فبعث الله النبيين فيعلم أن المراد ليرشدوا الناس إلى الحق بالتبشير والنذارة .
فالمقصود من الآية على هذا التأويل إظهار أن ما بعث الله به النبيين قد وقع فيه التغيير والاختلاف فيما بعثوا به وأن الله بعث محمدا بالقرآن لإرشادهم إلى ما اختلفوا فيه فيكون المقصود بيان مزية دين الإسلام وفضله على سائر الأديان بما كان معه من البيان والبرهان .
وأبا ما كان المراد فإن فعل كان هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف اسمها المخبر عنه بمضمون خبرها في الزمن الماضي وأن ذلك قد انقطع إذ صار الناس منقسمين إلى فئتين فئة على الحق وفئة على الباطل .
A E