فإن كان المراد الوحدة في الحق فقد حصل ذلك في زمن كان الغالب فيه على الناس الرشد والاستقامة والصلاح والإصلاح فلم يكونوا بحاجة إلى بعثة الرسل إلى أن اختلفت أحوالهم فظهر فيهم الفساد فقيل كان ذلك فيما بين آدم ونوح ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وقال ابن عطية قال قوم كان ذلك زمن نوح كفر جل قومه فهلكوا بالطوفان إلا من نجاه الله مع نوح فكان أولئك النفر الناجون أمة واحدة قائمة على الحق وقيل إنما كان الناس على الحق حين خلق الله الأرواح التي ستودع في بني آدم ففطرها على الإسلام فأقروا له بالوحدانية والعبودية وهو ما في قوله تعالى في سورة الأعراف ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) على أحد تفاسير تلك الآية وروى هذا عن أبي بن كعب وجابر بن زيد والربيع بن سليمان وفي تفسير الفخر عن القاضي عبد الجبار وأبي مسلم الأصفهاني أن معنى الآية ( كان الناس أمة واحدة ) في التمسك بالشرائع العقلية على وجود الخالق وصفاته واجتناب الظلم والكذب وحجتهما على ذلك أن قوله ( النبيين ) جمع يفيد العموم " أي لأنه معرف باللام " فيقتضي أن بعثة كل النبيين كانت بعد أن كان الناس أمة واحدة بدليل الفاء والشرائع إنما تلقيت من الأنبياء فتعين أن كون الناس أمة واحدة شيء سابق على شرائع الأنبياء ولا يكون إلا مستفادا من العقل وهما يعنيان أن الله فطر الإنسان في أول نشأته على سلامة الفطرة من الخطأ والضلال قال تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) وقيل : أريد بالناس آدم وحواء . نقله ابن عطية عن مجاهد وقوم والذي نجزم به أن هذا كان في زمن من أزمان وجود الناس على الأرض يعلمه الله تعالى لقوله ( وقرونا بين ذلك كثيرا ) والأظهر أنه من زمن وجود آدم إلى أن أشرك قوم نوح وإن كان المراد الوحدة على الباطل فقد حصل ذلك في زمن نوح في أول ما قص الله علينا مع ما ورد في الصحيح أن نوحا أول الرسل إلى أهل الأرض فيظهر أن الضلال حدث في أهل الأرض وعمهم عاجلا فبعث الله نوحا إليهم ثم أهلك الكافرين منهم بالطوفان ونجى نوحا ونفرا معه فأصبح جميع الناس صالحين ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله النبيين . فيجدر بنا أن ننظر الآن فيما تضمنته هذه الآية من المعنى في تاريخ ظهور الشرائع وفي أسباب ذلك .
الناس أبناء أب واحد وأم واحدة فلا جرم أن كانوا في أول أمرهم أمة واحدة لأن أبويهم لما ولدا الأبناء الكثيرين وتوالد أبناؤهما تألفت منهم في أمد قصير عائلة واحدة خلقت من مزاج نقي فكانت لها أمزجة متمائلة ونسأوا على سيرة واحدة في أحوال الحياة كلها وما كانت لتختلف إلا اختلافا قليلا ليس له أثر يؤبه به ولا يحدث في العائلة تنافرا ولا تغالبا .
ثم إن الله تعالى لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا العالم الأرضي فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) .
فآدم خلق في أحسن تقويم يليق بالذكر جسما وعقلا وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر وتجنبه فكانت آراؤه مستقيمة تتوجه ابتداء لما فيه النفع وتهتدي إلى ما يحتاج للاهتداء إليه وتتعقل ما يشار به عليه فتميز النافع من غيره ويساعده على العمل بما يهتدي إليه فكره جسد سليم قوي متين وحواء خلقت في أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقا مشابها لخلق آدم إذ أنها خلقت كما خلق آدم قال تعالى ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) فكانت في انسياق عقلها واهتدائها وتعقلها ومساعدة جسدها على ذلك على نحو ما كان عليه آدم .
ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل المستقيم فبالعقل تأتي للبشر أن يتصرف في خصائصه وأن يضعها في مواضع الحاجة إليها .
هكذا كان شأن الذكر والأنثى فما ولدا من الأولاد نشأ مثل نشأتهما في الأحوال كلها ألم تر كيف اهتدى أحد بني آدم إلى دفن أخيه من مشاهدة فعل الغراب الباحث في الأرض فكان الاستنباط الفكري والتقليد به أس الحضارة البشرية .
A E