فالصلاح هو الأصل الذي خلق عليه البشر ودام عليه دهرا ليس بالقصير ثم أخذ يرتد إلى أسفل سافلين ذلك أن ارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين إنما عرض له بعوارض كانت في مبدأ الخليقة قليلة الطرو أو معدومته لأن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة لا تعدو أربعة أسباب : الأولى : خلل يعرض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسده فينشأ منحرفا عن الفضيلة لتلك العاهة .
الثاني : اكتساب رذائل من الأخلاق من مخترعات قواه الشهوية والغضبية ومن تقليد غيره بداعية استحسان ما في غيره من مفاسد يخترعها ويدعو إليها .
الثالث : خواطر خيالية تحدث في النفس مخالفة لما عليه الناس كالشهوات والإفراط في حب الذات أو في كراهية الغير مما توسوس به النفس فيفكر صاحبها في تحقيقها .
الرابع : صدور أفعال تصدر من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية ويجدها ملائمة له أو لذيذة عنده فيلازمها حتى تصير له عادة وتشتبه عنده بعد طول المدة بالطبيعة لأن العادة إذا صادفت سذاجة من الفعل غير بصيرة بالنواهي رسخت فصارت طبعا .
فهذه أربعة أسباب للانحطاط عن الفطرة الطيبة والأول كان نادر الحدوث في البشر لأن سلامة الأبدان وشباب واعتدال الطبيعة وبساطة العيش ونظام البيئة كل تلك كانت موانع من طرو الخلل التكويني ألا ترى أن نوع كل حيوان يلازم حال فطرته فلا ينحرف عنها باتباع غيره .
والثاني كان غير موجود لأن البشر يومئذ كانوا عائلة واحدة في موطن واحد يسير على نظام واحد وتربية واحدة وإحساس واحد فمن أين يجيئه الاختلاف .
والثالث ممكن الوجود لكن المحبة الناشئة عن حسن المعاشرة وعن الإلف والشفقة الناشئة عن الأخوة والمواعظ الصادرة عن الأبوين كانت حجبا لما يهجس من هذا الإحساس .
والرابع لم يكن بالذي يكثر في الوقت الأول من وجود البشر لأن الحاجات كانت جارية على وفق الطباع الأصلية ولأن التحسينات كانت مفقودة وإنما هذا السبب الرابع من موجبات الرقي والانحطاط في أحوال الجمعيات البشرية الطارئة .
أما حادثة قتل ابن آدم أخاه فما هي إلا فلتة نشأت عن السبب الثالث عن إحساس وجداني هو الحسد مع الجهل بمغبة ما ينشأ عن القتل ؛ لأن البشر لم يعرف الموت إلا يومئذ ولذلك أسرعت إليه الندامة فتبين أن الصلاح هو حال الأمة يومئذ أو هو الغالب عليها .
وينشأ عن هذا الصلاح والاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في النسل لأن النسل منسل من ذوات الأصول فهو ينقل ما فيها من الأحوال الخلقية والخلقية ولما كان النسل منسلا من الذكر والأنثى كان بحكم الطبع محصلا على مجموع من الحالتين فإن استوت الحالتان أو تقاربتا جاء النسل على أحوال مساوية المظاهر لأحوال سلفه قال نوح عليه السلام في عكسه ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) ومما يدل على أن حال البشر في أول أمره صلاح ما نقله في الكشاف عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق .
ثم كثرت العائلة البشرية وتكونت منها القبيلة فتكاثرت ونشأ فيها مع الزمان قليلا قليلا خواطر مختلفة ودبت فيها أسباب الاختلاف في الأحوال تبعا لاختلاف بين حالي الأب والأم فجاء النسل على أحوال مركبة مخالفة لكل من مفرد حالتي الأب والأم وبذلك حدثت أمزجة جديدة وطرأت عليها حينئذ أسباب الانحطاط الأربعة وصارت ملازمة لطوائف من البشر بحكم التناسل والتقي هنالك جاءت الحاجة إلى هدي البشر ببعثة الرسل والتاريخ الديني دلنا على أن نوحا أول الرسل الذين دعوا إلى الله تعالى قال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) الآية ولما ذكر الرسل في آيات القرآن ابتدأهم في جميع تلك الآيات بنوح ولم يذكر آدم وفي حديث الشفاعة في الصحيح تصريح بذلك أن آدم يقول للذين يستشفعون به إني لست هناكم ويذكر خطيئته ايتوا نوحا أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض وبهذا يتعين أن خطيئة " قابيل " ليست مخالفة شرع مشروع وأن آدم لم يكن رسولا وأنه نبي صالح أوحي إليه بما يهذب أبناءه ويعلمهم بالجزاء .
A E