والاختلاف في الكتاب ذهاب كل فريق في تحريف المراد منه مذهبا يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في الفروع فإن الاختلاف في أصوله يعطل المقصود منه .
A E وجيء بالموصول دون غيره من المعرفات لما في الصلة من الأمر العجيب وهو أن يكون المختلفون في مقصد الكتاب هم الذين أعطوا الكتاب ليزيلوا به الخلاف بين الناس فأصبحوا هم سبب خلاف فيه ولا شك أن ذلك يبطل المراد منه .
والمعنى تشنيع حال الذين أوتوه بأن كانوا أسوأ حالا من المختلفين في الحق قبل مجيء الشرائع لأن أولئك لهم بعض العذر بخلاف الذين اختلفوا بعد كون الكتاب بأيديهم .
وقوله ( من بعد ما جاءتهم البينات ) متعلق باختلف والبينات جمع بينة وهي الحجة والدليل .
والمراد بالبينات هنا الدلائل التي من شأنها الصد عن الاختلاف في مقاصد الشريعة وهي النصوص التي لا تحتمل غير مدلولاتها أعني قواطع الشريعة والظواهر المتعاضدة التي التحقت بالقواطع .
والظواهر التي لم يدع داع إلى تأويلها ولا عارضها معارض .
والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة لا تعارض حالة محمل الآخر وهو المعبر عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكما آخر أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ أو كان الحكم كذا فصار كذا فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق . ومجيء البينات بلوغ ما يدل عليها وظهور المراد منها .
والبعدية هنا : بعدية اعتبار لم يقصد منها تأخر زمان الاختلاف عن مجيء البينات وإن كان هو كذلك في نفس الأمر أي أن الخلاف كان في حالة تقررت فيها دلائل الحق في نفوس المختلفين .
وقوله ( بغيا بينهم ) مفعول لأجله لاختلفوا والبغي : الظلم وأصل البغي في كلام العرب الطلب ثم شاع في طلب ما للغير بدون حق فصار بمعنى الظلم معنى ثانيا وأطلق هنا على الحسد لأن الحسد ظلم .
والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد وقصد كل فريق تغليط الآخر فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر .
وقوله ( بينهم ) متعلق بقوله ( بغيا ) للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلما على عدوها .
واعلم أن تعلق كل من المجرور وهو ( من بعد ما جاءتهم ) وتعلق لأجله وهو بغيا بقوله ( اختلف ) الذي هو محصور بالاستثناء المفرغ ويستلزم أن يكون كلاهما محصورا في فاعل الفعل الذي تعلقا به فلا يتأتى فيه الخلاف الذي ذكره الرضى بين النحاة في جواز استثناء شيئين بعد أداة استثناء واحدة لأن التحقيق أن ما هنا ليس استثناء أشياء بل استثناء شيء واحد وهم الذين أوتوه لكنه مقيد بقيدين هما من ( بعد ما جاءتهم البينات ) و ( بغيا ) إذ المقصود أن الخلاف لم يكن بين أهل الدين ومعانديه ولا كان بين أهل الدين قبل ظهور الدلائل الصارفة عن الخلاف ولا كان ذلك الخلاف عن مقصد حسن بل كان بين أهل الدين الواحد مع قيام الدلائل وبدافع البغي والحسد .
والآية تقتضي تحذير المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف في الدين أي في أصول الإسلام فالخلاف الحاصل بين علماء الإسلام ليس اختلافا في أصول الشريعة فإنها إجماعية وقد أجمعوا على أنهم يريدون تحقيقها ولذلك اتفقت أصولهم في البحث عن مراد الله تعالى وعن سنة رسوله للاستدلال عن مقصد الشارع وتصرفاته واتفقوا في أكثر الفروع وإنما اختلفوا في تعيين كيفية الوصول إلى مقصد الشارع وقد استبرءوا للدين فأعلنوا جميعا : أن الله تعالى حكما في كل مسألة وأنه حكم واحد وأنه كلف المجتهدين بإصابته وأن المصيب واحد وأن مخطئه أقل ثوابا من مصيبه وأن التقصير في طلبه إثم .
فالاختلاف الحاصل بين علمائنا اختلاف جليل المقدار موسع للأنظار .
أما لو جاء أتباعهم فانتصروا لآرائهم مع تحقق ضعف المدرك أو خطئه لقصد ترويج المذهب وإسقاط رأي الغير فذلك يشبه الاختلاف الذي شنعه الله تعالى وحذرنا منه فكونوا من مثله على حذر ولا تكونوا كمثل قول المعري : .
فمجادل وصل الجدال وقد دري ... أن الحقيقة فيه ليس كما زعم .
علم الفتى النظار أن بصائرا ... عميت فكم يخفي اليقين وكما يعم A E
