وقوله ( فهدي الله الذين آمنوا ) هذا العطف يحتمل أن الفاء عاطفة على ( اختلف فيه ) الذي تضمنته جملة القصر قال ابن عرفة : عطف بالفاء إشارة إلى سرعة هدايته المؤمنين بعقب الاختلاف اه يريد أنه تعقيب بحسب ما يناسب سرعة مثله وإلا فهدي المسلمين وقع بعد أزمان مضت حتى تفاقم اختلاف اليهود واختلاف النصارى وفيه بعد لا يخفى فالظاهر عندي : أن الفاء فصيحة لما علم من أن المقصود من الكلام السابق التحذير من الوقوع في الاختلاف ضرورة أن القرآن إنما نزل لهدي المسلمين للحق في كل ما اختلف فيه أهل الكتب السالفة فكأن السامع ترقب العلم بعاقبة هذا الاختلاف فقيل : دام هذا الاختلاف إلى مجيء الإسلام فهدي الله الذين آمنوا الخ فقد أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف كقوله تعالى ( أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ) .
والمراد من الذين آمنوا المسلمون لا محالة والضمير في اختلفوا عائد للمختلفين كلهم سواء الذين اختلفوا في الحق قبل مجيء الرسل والذين اختلفوا في الشرائع بعد مجيء الرسل والبينات ولذلك بينه بقوله ( من الحق ) وهو الحق الذي تقدم ذكره في قوله ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ) فإن اختلاف الفريقين راجع إلى الاختلاف في تعيين الحق إما عن جهل أو عن حسد وبغي .
والإذن : الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذن إذا أصغى أذنه إلى كلام من يكلمه ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابة مطلبه وشاع ذلك حتى صار الإذن أشيع في معنى الخطاب بإباحة الفعل وبذلك صار لفظ الإذن قابلا لأن يستعمل مجازا في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة فأطلق في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان الهدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة لأن من ييسر لك شيئا فكأنه أباح لك تناوله .
وفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى التوحيد الذي كانوا عليه أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله فاختلف أتباعهم فيه بدلا من أن يحققوا بإفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم فحصل بما في الإسلام من بيان القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وضوح الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه فحصل بمجيء الإسلام إتمام مراد مما أنزل من الشرائع السالفة .
وقوله ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) تذييل لبيان أن فضل الله يعطيه من يشاء وهذا إجمال وتفصيله أن حكمة الله اقتضت أن يتأخر تمام الهدى إلى وقت مجيء شريعة الإسلام لما تهيأ البشر بمجيء الشرائع السابقة لقبول هذه الشريعة فكانت الشرائع السابقة تمهيدا وتهيئة لقبول دين الإسلام ولذلك صدرت هذه الآية بقوله ( كان الناس أمة واحدة ) فكما كان البشر في أول أمره أمة واحدة على هدى بسيط ثم عرضت له الضلالات عند تحرك الأفكار البشرية رجع البشر إلى دين واحد في حالة ارتقاء الأفكار وهذا اتحاد عجيب لأنه جاء بعد تشتت الآراء والمذاهب ولذا قال تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) وفي الحديث " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم فقال لهم : أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : تلك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال لهم أكملوا بقية عملكم فإنما بقى من النهار شئ يسير فأبوا واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور فقالت اليهود والنصارى ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء قال هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قلوا : لا قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء " .
A E