( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إن نصر الله قريب [ 214 ] ) إضراب انتقالي عن الكلام السابق فاحتاج إلى وجه مناسبة به فقال الطيبي أخذا من كلام الكشاف : إن قوله تعالى ( كان الناس أمة واحدة ) كلام ذكرت فيه الأمم السالفة وذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد ومدمج لتشجيع الرسول والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين كما قال ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) فمن هذا الوجه كان الرسول وأصحابه مرادين من ذلك الكلام يدل عليه قوله ( فهدى الله الذين آمنوا ) وهو المضرب عنه ببل التي تضمنتها أم أي دع ذلك احسبوا أن يدخلوا الجنة اه . وبيانه أن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداء في المحامد فكان قوله تعالى ( كان الناس أمة واحدة ) الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أوقظوا أن لا يزهوا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضوا حق شكر النعمة فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم حرضهم هنا على الاقتداء بهدى المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك فيكون قوله ( أم حسبتم ) إضرابا عن قوله ( فهدى الله الذين آمنوا ) وليكون ذلك تصبيرا لهم على ما نالهم يوم الحديبية من تطاول المشركين عليهم بمنعهم من العمرة وما اشترطوا عليهم للعام القابل ويكون أيضا تمهيدا لقوله ( كتب عليكم القتال ) الآية وقد روى عن أكثر المفسرين الأولين أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدائد فتكون تلك الحادثة زيادة في المناسبة . و ( أم ) في الإضراب كبل إلا أن أم تؤذن بالاستفهام وهو هنا تقرير بذلك وإنكاره إن كان حاصلا أي بل أحسبتم أن تدخلوا دون بلوى وهو حسبان باطل لا ينبغي اعتقاده . وحسب بكسر السين في الماضي : فعل من أفعال القلوب أخوات ظن وفي مضارعه وجهان كسر السين وهو أجود وفتحها وهو أقيس وقد قريء بهما في المشهور ومصدره الحسبان بكسر الحاء وأصله من الحساب بمعنى العد فاستعمال في الظن تشبيها لجولان النفس في استخراج علم ما يقع بجولان اليد في الأشياء لتعيين عددها ومثله في ذلك فعل عد بمعنى ظن .
والخطاب للمسلمين وهو إقبال عليهم بالخطاب بعد أن كان الكلام على غيرهم فليس فيه التفات وجعله صاحب الكشاف التفاتا بناء على تقدم قوله ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ) وأنه يقتضي أن يقال أم حسبوا أي الذين آمنوا والأظهر أنه لما وقع الانتقال من غرض إلى غرض بالإضراب الانتقالي الحاصل بأم صار الكلام افتتاحا محضا وبذلك يتأكد اعتبار الانتقال من أسلوب إلى أسلوب فالالتفات هنا غير منظور إليه على التحقيق .
ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم ولم يقصروا في شئ منه وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتته ولم يصبر عليها بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجب لغفران الذنوب أو المراد من ذلك أن نالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين لذلك فيكون دخول الجنة متوقفا على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى وتطرق هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في أتباع الرسل في أول ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل فلذلك هيء المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفا بهم ليكون حصوله أهون عليهم .
A E