وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساء والضراء وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة فلما وردوا المدينة لقوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم كما أن الأنصار لقوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ من أموالهم .
و ( لما ) أخت لم في الدلالة على نفي الفعل ولكنها مركبة من لم وما النافية فأفادت توكيد النفي لأنها ركبت من حرفي نفي ومن هذا كان النفي بها مشعرا بأن السامع كان يترقب حصول الفعل المنفي بها فيكون النفي بها نفيا لحصول قريب وهو يشع بأن حصول المنفي بها يكون بعد مدة وهذا استعمال دل عليه الاستقراء واحتجوا له بقول النابغة : .
أزف الترحل أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد فنفى بلما ثم قال وكأن قد أي وكأنه قد زالت .
والواو للحال أي أحسبتم دخول الجنة في حالة انتفاء ما يترقب حصوله لكم من مس البأساء والضراء فإنكم لا تدخلون الجنة ذلك الخول السالم من المحنة إذا تحملتم ما هو من ذلك القبيل .
والإتيان مجاز في الحصول لأن الشيء الحاصل بعد العدم يجعل كأنه أتى من مكان بعيد .
والمثل : المشابه في الهيئة والحالة كما تقدم في قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) .
والذين خلوا : هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل خلوا : خلا منهم المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم .
و ( من قبلكم ) متعلق بخلوا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين الفريقين .
والمس حقيقته : اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله فمنه مس الشيطان أي حلول ضر الجنة بالعقل ومس سقر : ما يصيب من نارها ومسه الفقر والضر : إذا حل به وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه ) ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا ) ( وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) ( ولا تمسوها بسوء ) فالمعنى هنا : حلت بهم البأساء والضراء .
وقد تقدم القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى ( والصابرين في البأساء والضراء ) .
وقوله ( وزلزلوا ) أي أزعجوا أو اضطربوا وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم قال تعالى ( هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة ومنه زلزال الأرض فوزن زلزل فعفل والتضعيف فيه دال على تكرر كما قال تعالى ( فكبكبوا فيها ) وقالوا لملم بالمكان إذا نزل به نزول إقامة .
وحتى غاية للمس والزلزال أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها الرسول والذين معه متى نصر الله .
ولما كانت الآية مخبرة عن مس حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله بالمخاطبين وقت نزول الآية جاز في فعل يقول أن يعتبر قول رسول أمة سابقة أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلزلين ف " أل " للعهد أو حتى يقول كل رسول لأمة سبقت فتكون " أل " للاستغراق فيكون الفعل محكيا به تلك الحالة العجيبة فيرفع بعد حتى ؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعا وبرفع الفعل قرأ نافع وأبو جعفر وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطبين عليه السلام فأل فيه للعهد والمعنى : وزلزلوا مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل منصوبا ؛ لأن القول لما يقع وقتئذ وبذلك قرأ بقية العشرة فقراءة الرفع أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام وبكلتا القراءتين يحصل كلا الغرضين .
ومتى استفهام مستعمل في استبطاء زمان النصر .
وقوله ( ألا إن نصر الله قريب ) كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بألا وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رعبا والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها . وإكرام للرسول A بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه وهذا يشير إلى فتح مكة .
( يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم [ 215 ] ) A E
