وتحريم القتال في الشهر الحرام قد خصص بعد هذه الآية ثم نسخ فأما تخصيصه فبقبوله تعالى ( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه ) إلى قوله ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) .
A E وأما نسخه فبقوله تعالى ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) إلى قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) فإنها صرحت بإبطال العهد الذي عاهد المسلمون المشركين على الهدنة وهو العهد الواقع في صلح الحديبية ؛ لأنه لم يكن عهدا مؤقتا بزمن معين ولا بالأبد ولأن المشركين نكثوا أيمانهم كما في الآية الأخرى ( ألا تقاتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول ) . ثم إن الله تعالى أجلهم أجلا وهو انقضاء الأشهر الحرم من ذلك العام وهو عام تسعة من الهجرة في حجة أبي بكر بالناس لأن تلك الآية زلت في شهر شوال وقد خرج المشركون فقال لهم ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) فأخرها آخر المحرم من عام عشرة من الهجرة ثم قال ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) أي تلك الأشهر الأربعة ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) فنسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم لأن المشركين جمع معرف بلام الجنس وهو من صيغ العموم وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة على التحقيق ولذلك قاتل النبي A ثقيفا في شهر ذي العقدة عقب فتح مكة كما في كتب الصحيح .
وأغزى أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام وقد أجمع المسلمون على مشروعية الغزو في جميع أشهر السنة يغزون أهل الكتاب وهم أولى بالحرمة في الأشهر الحرم من المشركين .
فإن قلت : إذا نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم فما معنى قول النبي A في خطبة حجة الوداع " أن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " فإن التشبيه يقتضي تقرير حرمة الأشهر . قلت : إن تحريم القتال فيها تبع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها .
والقتال الظلم محرم في كل وقت والقتال لأجل الحق عبادة فنسخ تحريم القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم .
وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال ( قتال فيه كبير ) واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي A الحج على المشركين في عام حجة أبي بكر بالناس ؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال فبالأشهر الحرم ؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة .
وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلا للمسلمين وهم لا قتال بينهم إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج فتسميته نسخا تسامح وإنما هو انتهاء مورد الحكم ومثل هذا التسامح في الأسماء معروف في كلام المتقدمين ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي A حرمة الأشهر الحرم في خطبته وقد تعطل حينئذ العمل بحرمة القتال في الأشهر الحرم إذ لم يبق مشرك يقصد الحج .
فمعنى نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة والإجماع لانقراضهم .
( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل )
