إنحاء على المشركين وإظهار لظلمهم بعد أن بكتهم بتقرير حرمة الأشهر الحرم الدال على أن ما وقع من أهل السرية من قتل رجل فيه كان عن خطأ في الشهر أو ظن سقوط الحرمة بالنسبة لقتال العدو فإن المشركين استعظموا فعلا واستنكروه وهم يأتون ما هو أفظع منه ذلك أن تحريم القتال في الشهر الحرم ليس لذات الأشهر لأن الزمان لا حرمة له في ذاته وإنما حرمته تحصل بجعل الله إياه ذا حرمة فحرمته تبع لحوادث تحصل فيه وحرمة الأشهر الحرم لمراعاة تأمين سبيل الحج والعمرة ومقدماتهما ولواحقهما فيها فلا جرم أن الذين استعظموا حصول القتال في الشهر الحرام واستباحوا حرمات ذاتية بصد المسلمين وكفروا بالله الذي جعل الكعبة حراما وحرم لأجل حجها الأشهر الحرم وأخرجوا أهل الحرم منه وآذوهم لأحرياء بالتحميق والمذمة لأن هاته الأشياء المذكورة كلها محرمة لذاتها لا تبعا لغيرها .
A E وقد قال الحسن البصري لرجل من أهل العراق جاء يسأله عن دم البعوض إذا أصاب الثوب هل ينجسه وكان ذلك عقب مقتل الحسين بن علي Bهما " عجبا لكم يا أهل العراق تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البعوض " .
ويحق التمثل هنا يقول الفرزدق : .
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم والمعنى أن الصد وما عطف عليه من أفعال المشركين أكبر إنما عند الله إثم القتال في الشهر الحرام .
والعندية في قوله ( عند الله ) عندية مجازية وهي عندية العلم والحكم .
والتفضيل في قوله ( أكبر ) تفضيل الإثم أي كل واحد من تلك المذكورات أعظم إثما .
والمراد بالصد عن سبيل الله : منع من يريد الإسلام منه ونظيره قوله تعالى ( توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ) .
والكفر بالله : الإشراك به بالنسبة للمشركين وهم أكثر العرب وكذلك إنكار وجوده بالنسبة للدهريين منهم وتقدم الكلام عن الكفر وضابطه عند قوله تعالى ( إن الذين كفروا سواء عليهم ) إلخ .
وقوله ( به ) الباء فيه لتعدية ( كفر ) وليست للظرفية والضمير المجرور بالباء عائد إلى اسم الجلالة .
و ( كفر ) معطوف على ( صد ) أي صد عن سبيل الله وكفر بالله أكبر من قتال الشهر الحرام وإن كان القتال كبيرا .
و ( المسجد الحرام ) معطوف على ( سبيل الله ) فهو متعلق ب ( صد ) تبعا لتعلق متبوعه به .
وأعلم أن مقتضى ظاهر ترتيب نظم الكلام أن يقال : وصد عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله فخولف مقتضى هذا النظم إلى الصورة التي جاءت الآية عليها بأن قدم قوله ( وكفر به ) فجعل معطوفا على ( صد ) قبل أن يستوفى ( صد ) ما تعلق به وهو ( والمسجد الحرام ) فإنه معطوف على ( سبيل الله ) المتعلق ب ( صد ) إذ المعطوف على المتعلق متعلق فهو أولى بالتقديم من المعطوف على السم المتعلق به لأن المعطوف على المتعلق به أجنبي على المعطوف عليه وأما المعطوف على المتعلق فهو في صلة المعطوف عليه والداعي إلى هذا الترتيب هو أن يكون نظم الكلام على أسلوب أدق من مقتضى الظاهر وهو الاهتمام بتقديم ما هو أفظع من جرائمهم فإن الكفر بالله أفظع من الصد عن المسجد الحرام فكان ترتيب النظم على تقديم الأهم فالأهم فإن الصد عن سبيل الإسلام بجمع مظالم كثيرة لأنه اعتداء على الناس في ما يختارونه لأنفسهم وجحد لرسالة رسول الله والباعث عليه انتصارهم لأصنامهم ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) فليس الكفر بالله إلا ركنا من أركان الصد عن الإسلام فلذلك قدم الصد عن سبيل الله ثم ثنى بالكفر بالله ليفاد بدلالة المطابقة بعد أن دل عليه الصد عن سبيل الله بدلالة التضمن ثم عد عليهم الصد عن المسجد الحرام ثم إخراج أهله منه .
ولا يصح أن يكون ( والمسجد الحرام ) عطفا على الضمير في قوله ( به ) لأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام فإن الكفر يتعدى إلى ما يعبد وما هو دين وما يتضمن دينا على أنهم يعظمون المسجد الحرام ولا يعتقدون فيه ما يسوغ أن يتكلف بإطلاق لفظ الكفر عليه على وجه المجاز