وقوله ( وإخراج أهله منه ) أي إخراج المسلمين من مكة فإنهم كانوا حول المسجد الحرام لأن في إخراجهم مظالم كثيرة فقد مرض المهاجرون في خروجهم إلى المدينة ومنهم كثير من أصابته العمى حتى رفعت من المدينة ببركة دعاء الرسول A على أن التفضيل إنما تعلق بوقوع القتال في الأشهر الحرم لا بنفس القتل فإن له حكما يخصه .
والأهل : الفريق الذين لهم مزيد اختصاص بما يضاف إليه اللفظ فمنه أهل الرجل عشيرته وأهل البلد المستوطنون به وأهل الكرم المتصفون به وأراد به هنا المستوطنين بمكة وهم المسلمون وفيه إيماء إلى أنهم أحق بالمسجد الحرام لأنهم الذين اتبعوا ملة من بنى المسجد الحرام قال تعالى ( وما كانوا أولياء إن أولياءه إلا المتقون ) .
وقوله ( والفتنة أكبر من القتل ) تذييل مسوق مساق التعليل لقوله ( وإخراج أهله منه ) ؛ وإذ قد كان إخراج أهل الحرم منه أكبر من القتل ؛ كان ما ذكر قبله من الصد عن الدين والكفر بالله والصد عن المسجد الحرام أكبر بدلالة الفحوى لأن تلك أعظم جرما من جريمة إخراج المسلمين من مكة .
A E والفتنة : التشغيب والإيقاع في الحيرة واضظراب العيش فهي اسم شامل لما يعظم من الأذى الداخل على أحد أو جماعة من غيرهم وأريد بها هنا ما لقيه المسلمون من المشركين من المصائب في الدين بالتعرض لهم بالأذى بالقول والفعل ومنعهم من إظهار عبادتهم وقطيعتهم في المعاملة والسخرية بهم والضرب المدمي والتمالئ على قتل الرسول A والإخراج من مكة ومنع من أموالهم ونسائهم وصدهم عن البيت ولا يخفي أن مجموع ذلك أكبر من قتل المسلمين واحدا من رجال المشركين وهو عمرو الحضرمي وأسرهم رجلين منهم .
وأكبر أي أشد كبرا أي قوة في المحارم أي أكبر من القتل الذي هو في الشهر الحرام كبير .
( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردكم عن دينكم إن استطاعوا ) جملة معترضة دعا إلى الاعتراض بها مناسبة قوله ( والفتنة أكبر من القتل ) لما تضمنته من صدور الفتنة من المشركين على المسلمين وما تتضمنه الفتنة من المقاتلة التي تداولها المسلمون والمشركون .
إذ القتال يشتمل على أنواع الأذى وليس القتل إلا بعض أحوال القتال إلا ترى إلى قوله تعالى ( إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) فسمي فعل الكفار مع المسلمين مقاتلة وسمي المسلمين مقاتلين بفتح التاء وفيه إعلام بأن المشركين مضمرون غزو المسلمين ومستعدون له وإنما تأخروا عنه بعد الهجرة لأنهم كانوا يقاسون آثار سني جدب فقوله ( لا يزالون ) وإن أشعر أن قتالهم موجود فالمراد به أسباب القتال وهو الأذى وإضمار القتال كذلك وأنهم إن شرعوا فيه لا ينقطعون عنه على أن صريح لا يزال الدلالة على أن هذا يدوم في المستقبل و " حتى " للغاية وهي هنا غاية تعليلية . والمعنى : أن فتنتهم وقتالهم يدوم إلى أن يحصل غرضهم وهو أن يردوكم عن دينكم .
وقوله ( إن استطاعوا ) تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم فموقع هذا الشرط موقع الاحتراس مما قد توهمه الغاية في قوله ( حتى يردكم عن دينكم ) ولهذا جاء الشرط بحرف " إن " المشعر بأن شرطه مرجو عدم وقوعه .
والرد : الصرف عن شيء والإرجاع إلى ما كان قبل ذلك فهو يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما زاد على المفعول بإلى وعن وقد حذف هنا أحد المتعلقين وهو المتعلق بواسطة إلى لظهور أنهم يقاتلونهم ليردوهم عن الإسلام إلى الشرك الذي كانوا عليه لأن أهل كل دين إذا اعتقدوا صحة دينهم حرصوا على إدخال الناس فيه قال تعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وقال ( ودوا لو تكفرون كما كفروا ) .
وتعليق الشرط بإن للدلالة على أن استطاعتهم ذلك ولو في آحاد المسلمين أمر مستبعد الحصول لقوة إيمان المسلمين فتكون محاولة المشركين رد واحد من المسلمين عناء باطلا .
( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 217 ] )
