وقد أشار العطف في قوله ( فيمت ) بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية فتكون الآية بها دليلا على وجوب قتل المرتد وقد اختلف في ذلك علماء الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قتل كافرا وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء كان رجلا أو امرأة وقال أبو حنيفة في الرجل مثل قولهم ولم ير قتل المرتدة بل قال تسترق وقال أصحابه تحبس حتى تسلم وقال أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمر وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي بقتل المرتد ولا يستتاب وقيل يستتاب شهرا وحجة الجميع حديث ابن عباس من بدل دينه فاقتلوه وفعل الصحابة فقد قاتل أبو بكر المرتدين وأحرق على السبائية الذين ادعوا ألوهية علي وأجمعوا على أن المراد بالحديث من بدل دينه الذي هو الإسلام واتفق الجمهور على أن من شاملة للذكر والأنثى إلا من شذ منهم وهو أبو حنيفة وابن شبرمة والثوري وعطاء والحسن القائلون لا تقتل المرأة المرتدة واحتجوا بنهي رسول الله A عن قتل النساء فخصوا به عموم من بدل دينه وهو احتجاج عجيب لأن هذا النهي وارد في أحكام الجهاد والمرأة من شأنها ألا تقاتل فإنه نهي أيضا عن قتل الرهبان والأحبار أفيقول هؤلاء : إن من ارتد من الرهبان والأحبار بعد إسلامه لا يقتل .
وقد شدد مالك وأبو حنيفة في المرتد بالزندقة أي إظهار الإسلام وإبطال الكفر فقالا : يقتل ولا تقبل توبته إذا أخذ قبل أن يأتي تائبا .
ومن سب النبي A قتل ولا تقبل توبته .
A E هذا واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور المسلمين ؛ والخروج من العقيدة وترك أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة ويدل على خروج المسلم من الإسلام تصريحة به بإقراره نصا أو صمنا فالنص ظاهر والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا عن كافر مثل السجود للصنم والتردد إلى الكنائس بحالة أصحاب دينها .
وألحقوا بذلك إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به أي ما كان العلم به ضروريا قال ابن راشد في الفائق " في التفكير بإنكار المعلوم ضرورة خلاف " . وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف .
وحكمة تشريع قتل المرتد " مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل " أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح فهذا تعريض بالدين واستخفاف به وفيه أيضا تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة فلو لم يجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئا زاجرا مثل توقع الموت فلذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى ( لا إكراه في الدين ) على القول بأنها غير منسوخة لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام .
( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم [ 218 ] ) قال الفخر : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان أحدهما : أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نطمع منه أجرا أو ثوابا ؟ فنزلت هذه الآية ؛ لأن عبد الله كان مؤمنا ومهاجرا وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهدا " يعني فتحققت فيه الأوصاف الثلاثة "
