الثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله ( كتب عليكم القتال ) أتبع ذلك بذكر من يقوم به اه والذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين لم يرتد منهم أحد . وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع .
و ( الذين هاجروا ) هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فرارا بدينهم مشتق من الهجر وهو الفراق وإنما اشتق منه وزن المفاعلة للدلالة على أنه هجر نشأ عن عداوة من الجانبين فكل من المنتقل والمنتقل عنه قد هجر الآخر وطلب بعده أو المفاعلة للمبالغة كقولهم : عافاك الله فيدل على أنه هجر قوما هجرا شديدا قال عبدة بن الطيب : .
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول والمجاهدة مفاعلة مشتقة من الجهد وهو المشقة وهي القتال لما فيه من بذل الجهد كالمفاعلة للمبالغة وقيل : لأنه يضم جهده إلى جهد آخر في نصر الدين مثل المساعدة وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر للإعانة والقوة فالمفاعلة بمعنى الضم والتكرير وقيل : لأن المجاهد يبذل جهده في قتال من يبذل جهده كذلك لقتاله فهي مفاعلة حقيقية .
و ( في ) للتعليل .
و ( سبيل الله ) ما يوصل إلى رضاه وإقامة دينه والجهاد والمجاهدة من المصطلحات القرآنية والإسلامية وكرر الموصول التعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء .
وجيء باسم الإشارة للدلالة على أن رجاءهم رحمة الله لأجل إيمانهم وهجرتهم وجهادهم فتأكد بذلك ما يدل عليه الموصول من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وإنما احتيج لتأكيده لأن الصلتين لما كانتا مما اشتهر بهما المسلمون وطائفة منهم صارتا كاللقب ؛ إذ يطلق على المسلمين يومئذ في لسان الشرع اسم الذين آمنوا كما يطلق على مسلمي قريش يومئذ اسم المهاجرين فأكد قصد الدلالة على وجه بناء الخبر من الموصول .
والرجاء : ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله فإن وعد الله وإن كان لا يخلف فضلا منه وصدقا ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل .
A E ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) استئناف لإبطال عملين غالبين على الناس في الجاهلية وهما شرب الخمر والميسر وهذا من عداد الأحكام التي بينها في هاته السورة مما يرجع إلى إصلاح الأحوال التي كان عليها الناس في الجاهلية والمشروع في بيانها من قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) إلى آخر السورة عدا ما تخلل ذلك من الآداب والزواجر والبشائر والمواعظ والأمثال والقصص ؛ على عادة القرآن في تفنن أساليبه تنشيطا للمخاطبين والسامعين والقارئين ومن بلغ وقد تناسقت في هذه الآية .
والسائلون هم المسلمون ؛ قال الواحدي : نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله A فقالوا : يا رسول الله افتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل متلفة للمال ؛ فنزلت هذه الآية قال في الكشاف : فلما نزلت هذه الآية ترك الخمر قوم وشربها آخرون ثم نزلت بعدها آية المائدة ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) الآية