وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديما لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر المسكر بله ما دونه وأما ما يذكره بعض علماء الإسلام : إن الإسكار حرام في الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة وإنما جرأهم على هذا القول ما قعدوه في أصول الفقه من أن الكليات التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت عليه الشرائع وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها وأما أن تكون مراعاة باطراد في غير سريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم على أن في مراعاتها درجات ولا حاجة إلى البحث في هذا بيد أن كتب أهل الكتاب ليس فيها تحريم الخمر ولا التنزيه عن شربها وفي التوراة التي بيد اليهود أن نوحا شرب الخمر حتى سكر وأن لوطا شرب الخمر حتى سكر سكرا أفضى بزعمهم إلى أمر شنيع والأخير من الأكاذيب ؛ لأن النبوة تستلزم العصمة والشرائع وإن اختلفت في إباحة أشياء فهنالك ما يستحيل على الأنبياء مما يؤدي إلى نقصهم في أنظار العقلاء والذي يجب اعتقاده : أن شرب الخمر لا يأتيه الأنبياء ؛ لأنها لا يشربها شاربوها إلا للطرب واللهو والسكر وكل ذلك مما يتنزه عنه الأنبياء ولا يشربونها لقصد التقوى لقلة هذا القصد من شربها .
وفي سفر اللاويين من التوراة " وكلم الله هارون قائلا : خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا . فرضا دهريا في أجيالكم . وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر " .
وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم وقصارى لذاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم قال طرفة : .
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي .
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد وعن أنس بن مالك : حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر . فلا جرم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبة إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنان بذلك في قوله تعالى ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) على تفسير من فسر السكر بالخمر وقيل السكر : هو النبيذ غير المسكر والأظهر التفسير الأول .
A E وآية سورة النحل نزلت بمكة واتفق أهل الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام أي في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب . والصحيح الأول فقد امتن الله على الناس بأن اتخذوا سكرا من الثمرات التي خلقها لهم ثم إن الله لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم ذي ذلك بالتدريج فقيل : إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في الخمر من علة التحريم وأن سبب نزولها ما تقدم فيكون وصفها بما فيها من الإثم والمنفعة تنبيها لهم إذ كانوا لا يذكرون إلا محاسنها فيكون تهيئة لهم إلى ما سيرد من التحريم قال البغوي : إنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله A " إن الله تقدم في تحريم الخمر ) " أي ابتدأ يهيء تحريمها يقال : تقدمت إليك في كذا أي عرضت عليك وفي تفسير ابن كثير : أنها ممهدة لتحريم الخمر على البنات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي معرضة بالكف عن شربها تنزها .
وجمهور المفسرين على أن هذه الآية : نزلت قبل آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة وهذا رأي عمر بن الخطاب كما روى أبو داود وروى أيضا عن ابن عباس أنه رأى أن آية المائدة نسخت ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ونسخت آية ( يسألونك عن الخمر والميسر ) ونسب لابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وذهب بعض المفسرين إلى أن آية البقرة هذه ثبت بها تحريم الخمر فتكون هذه الآية عندهم نازلة بعد آية سورة النساء ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) وإذ كانت سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء وسورة المائدة فيجئ على قول هؤلاء أن هذه الآية نزلت بعد نزول سورة البقرة وأنها وضعت هنا إلحاقا بالقضايا التي حكى سؤالهم عنها
