وأن معنى ( فيهما إثم كبير ) في تعاطيهما بشرب أحدهما واللعب بالآخر ذنب عظيم وهذا هو الأظهر من الآية ؛ إذ وصف الإثم فيها بوصف كبير فلا تكون آية سورة العقود إلا مؤكدة للتحريم ونصا عليه ؛ لأن ما في آيتنا هذه من ذكر المنافع ما قد يتأوله المتأولون بالعذر من شربها وقد روى في بعض الآثار أن ناسا شربوا الخمر بعد نزول هذه الآية فصلى رجلان فجعلا يهجران كلاما لا يدري ما هو وشربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر من المشركين فبلغ ذلك النبي A فجاءه فزعا ورفع شيئا كان بيده ليضربه فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وآله : لا أطعمها أبدا فأنزل الله تحريمها بآية سورة المائدة .
والخمر اسم مشتق من مصدر خمر الشيء خمره من باب نصر إذا ستره سمي به عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد فصار مسكرا ؛ لأنه يستر العقل عن تصرفه الخلفي تسمية مجازية وهي إما تسمية بالمصدر أو هو اسم جاء على زنة المصدر : هو اسم لكل مشروب مسكر سواء كان عصير عنب أو عصير غيره أو ماء نبذ فيه زبيب أو تمر أو غيرهما من الأنبذة وترك حتى يختمر ويزيد واستظهره صاحب القاموس . والحق أن الخمر كل شراب مسكر إلا أنه غلب على عصير العنب المسكر ؛ لأنهم كانوا يتنافسون فيه وأن غيره يطلق عليه خمر ونبيذ وفضيخ وقد وردت أخبار صحيحة تدل على أن معظم شراب العرب يوم تحريم الخمر من فضيخ التمر وأن أشربه أهل المدينة يومئذ خمسة غير عصير العنب وهي من التمر والزبيب والعسل والذرة والشعير وبعضها يسمى الفضيخ والنقيع والسكركة والبتع .
وما ورد في بعض الآثار عن ابن عمر : نزل تحريم الخمر وبالمدينة خمسة أشربه ما فيها شراب العنب معناه ليس معدودا في الخمسة شراب العنب لقلة وجوده وليس المراد أن شراب العنب لا يوجد بالمدينة .
وقد كان شراب العنب يجلب إلى الحجاز ونجد من اليمن والطائف والشام قال عمرو ابن كلثوم : .
" ولا تبقي خمور الأندرين وأندرين بلد من بلاد الشام .
A E وقد أنبني على الخلاف في مسمى الخمر في كلام العرب خلاف في الأحكام فقد أجمع العلماء كلهم على أن خمر العنب حرام كثيرها إجماعا وقليلها عند معظم العلماء ويحد شارب الكثير منها عند الجمهور وفي القليل خلاف كما سيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى ثم اختلفوا فيما عداها فقال الجمهور : كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام وحكمه كحكم الخمر في كل شيء أخذا بمسمى الخمر عندهم وبالقياس الجلي الواضح أن حكمة التحريم هي الإسكار وهو ثابت لجميعها وهذا هو الصواب وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وسفيان الثوري : يختص شراب العنب بتلك الأحكام أما ما عداه فلا يحرم منه إلا القدر المسكر هكذا ينقل المخالفون عن أبي حنيفة وكان العلماء في القديم ينقلون ذلك مطلقا حتى ربما أوهم نقلهم أنه لا يرى على من سكر بغير الخمر شيئا ويزيد ذلك إيهاما قاعدة أن المأذون فيه شرعا لا يتقيد بالسلامة وربما عضدوا ذلك بمنقول قصص وحوادث كقول أبي نواس : .
أباح العراقي النبيذ وشربه ... وقال : حرامان : المدامة والسكر ولكن الذي استقر عليه الحنفية هو أن الأشربة المسكرة قسمان أحدهما محرم شربه وهو أربعة : " الخمر " وهو الني من عصير العنب إذا علي واشتد وقذف بالزبد " والطلاء " بكسر الطاء وبالمد وهو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه ثم ترك حتى صار مسكرا " والسكر " بفتح السين والكاف وهو الني من ماء الرطب أي من الماء الحار المصبوب على الرطب ثم يصير مسكرا " والنقيع " وهو الني من نبيذ الزبيب وهذه الأربعة حرام قليلها وكثيرها ونجسه العين لكن الخمر يكفر مستحلها ويحد شارب القليل والكثير منها وأما الثلاثة الباقية فلا يكفر مستحلها ولا يحد شاربها إلا إذا سكر . القسم الثاني الأشربة الحلال شربها وهي نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ولو أدنى طبخة ونبيذ الخليطين منهما إذا طبخ أدنى طبخة ونبيذ العسل والتين والرز والشعير والذرة طبخ أم لم يطبخ . والمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهذه الأربعة يحل شربها ؛ إذا لم يقصد به اللهو والطرب بل التقوى على العبادة " كذا " أو إصلاح هضم الطعام أو التداوي وإلا حرمت ولا يحد شاربها إلا إذا سكر .
A E
