والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة وفيها ذهاب العقل والتعرض للسخرية وفيها ذهاب المال في شربها وفي الإنفاق على الندامي حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي : A E .
ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ... ثياب الندامى عندهم كالمغانم ولكننا يا أم عمرو نديمنا بمنزلة الربان ليس بعائم وقال عنترة : .
وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم وكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيبا قال لبيد : .
أغلي السباء بكل أدكن عاتق ... أو جونة قدحت وفض ختامها ومن آثامها ما قرره الأطباء المتأخرون أنها تورث المدمنين عليها أضرارا في الكبد والرئتين والقلب وضعفا في النسل وقد انفرد الإسلام عن جميع الشرائع بتحريمها ولأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على أنفسهم في الجاهلية فممن حرمها على نفسه في الجاهلية قيس بن عاصم المنقري بسبب أنه شرب يوما حتى سكر فجذب ابنته وتناول ثوبها ورأى القمر فتكلم كلاما فلما أخبر بذلك حين صحا إلى لا يذوق خمرا ما عاش وقال : .
رأيت الخمر صالحة وفيها ... خصال تفسد الرجل الحليما .
فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أشفي بها أبدا سقيما .
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ... ولا أدعو لها أبدا نديما .
فإن الخمر تفضح شاربيها ... وتجنيهم بها الأمر العظيما وفي أمالي القالي نسبة البيتين الأولين لصفوان بن أمية ومنهم عامر بن الظرب العدواني ومنهم عفيف بن معد يكرب الكندي عن الأشعث بن قيس وصفوان بن أمية الكناني وأسلوم البالي وسويد بن عدي الطائي " وأدرك الإسلام " وأسد بن كرز القسري البجلي الذي كان يلقب في الجاهلية برب بجيلة وعثمان بن عفان وأبو بكر الصديق وعباس بن مرداس وعثمان بن مظعون وأمية بن أبي الصلت وعبد الله بن جدعان .
وأما المنافع فمنها منافع بدنية وهي ما تكسبه من قوة بدن الضعيف في بعض الأحوال وما فيها من منافع التجارة فقد كانت تجارة الطائف واليمن من الخمر وفيها منافع من اللذة والطرب قال طرفة : .
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي .
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد وذهب بعض علمائنا إلى أن المنافع مالية فقط فرارا من الاعتراف بمنافع بدنية للخمر وهو جحود للموجود ومن العجيب أن بعضهم زعم أن في الخمر منافع بدنية ولكنها بالتحريم زالت .
وذكر في هذه الآية الميسر عطفا على الخمر ومخبرا عنهما بأخبار متحدة فما قيل في نقتضي هذه الآية تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها يقال مثله في الميسر وقد بان أن الميسر قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب يومئذ وهو أكبر لهو يلهون به وكثيرا ما يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم للشواء عند شرب الخمر فهم يتوصلون لنحر الجزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر كما في قصة حمزة إذ نحر شارفا لعلي بن أبي طالب حين كان حمزة مع شرب فغنته قينته مغرية إياه بهذا الشارف : .
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء فقام إليها فشق بطنها وأخرج الكبد فشواء في قصة شهيرة وقال طرفة يذكر اعتداءه على ناقة من إبل أبيه في حال سكره : .
فمرت كهاة ذات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد .
يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد .
وقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديد علينا بغية متعمد فلا جرم أن كان الميسر أيسر عليهم لاقتناء اللحم للشرب ولذلك كثر في كلامهم قرنه بالشرب وقال سبرة بن عمرو الفقعسي يذكر الإبل :
