ثم يقول الرقيب للحرضة جلجل القداح أي حركها فيخضخضها في الربابة كي تختلط ثم يفيضها أي يدفعها إلى جهة مخرج القداح من الربابة دفعة واحدة على اسم واحد من الأيسار فيخرج قدح فيتقدم الوكيل فيأخذه وينظره فإن كان من ذوات الأنصباء دفعة إلى صاحبه وقال له قم فاعتزل فيقوم ويعتزل إلى جهة ثم تعاد الجلجلة وقد اغتفروا إذا خرج أول القداح غفلا ألا يحسب في غرم ولا في غنم بل يرد إلى الربابة وتعاد الإحالة وهكذا ومن خرجت لهم القداح الأغفال يدفعون ثمن الجزور .
فأما على الوصف الذي وصف الأصمعي أن الجزور يقسم إلى ثمانية وعشرين جزءا فظاهر أن لجميع أهل القدح القامرة شيئا من أبداء الجزور لأن مجموع ما على القداح الرابحة من العلامات ثمانية وعشرون وعلى أهل القداح غرم ثمنه .
A E وأما على الوصف الذي وصف أبو عبيدة أن الجزور يقسم إلى عشرة أبداء فذلك يقتضي أن ليس كل المتقامرين برابح لأن الربح يكون بمقدار عشرة سهام مما رقمت به القداح وحينئذ إذا نفدت الأجزاء انقطعت الإفاضة وغرم أهل السهام الأغفال ثمن الجزور ولم يكن لمن خرجت له سهام ذات حظوظ بعد الذين استوفوا أبداء الجزور شيء إذ ليس في الميسر أكثر من جزور واحد قال لبيد : .
" وجزور أيسار دعوت لحتفها وإذ لا غنم في الميسر إلا من اللحم لا من الدراهم أو غيرها ولعل كلا من وصفي الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل الميسر وإذا لم يجمع العدد الكافي من المتياسرين أخذ بعض من حضر سهمين أو ثلاثة فكثر بذلك ربحه أو غرمه وإنما يفعل هذا أهل الكرم واليسار لأنه معرض لخسارة عظيمة إذ لم يفز قدحه ويقال في هذا الذي يأخذ أكثر من سهم متمم الأيسار قال النابغة : .
إني أتمم أيساري وأمنحهم ... مثني الأيادي وأكسو الجفنة الأدما ويسمون هذا الإتمام بمثنى الأيادي كما قال النابغة لأنه يقصد منه تكرير المعروف عند الربح فالأيادي بمعنى النعم وكانوا يعطون أجر الرقيب والحرضة والجزار من لحم الجزور فأما أجر الرقيب فيعطاه من أول القسمة وأفضل اللحم ويسمونه بدءا وأما الحرضة فيعطى لحما دون ذلك وأما الجزار فيعطى مما يبقى بعد القسم من عظم أو نصف عظم ويسمونه الريم .
ومن يحضر الميسر من غير المتياسرين يسمون الأعران جمع عرن بوزن كتف وهم يحضرون طعما في اللحم والذي لا يحب الميسر ولا يحضره لفقره سمي البرم بالتحريك .
وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله وهو الربح واللهو يدل لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء لأنه لو كان هذا الإعطاء مطردا لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به قال الأعشى : .
المطعمو الضيف إذا ما شتوا ... والجاعلو القوت على الياسر ثم إن كرامهم أرادوا أن يظهروا الترفع عن الطمع في مال القمار فصاروا يجعلون الربح للفقراء واليتامى ومن يلم بساحتهم من أضيافهم وجيرتهم قال لبيد : .
أدعو بهن لعاقر أو مطفل ... بذلت لجيران الجميع لحامها .
فالضيف والجار الجنيب كأنما ... هبطا تبالة مخضبا أهضامها فصار الميسر عندهم من شعار أهل الجود كما تقدم في أبيات لبيد وقال عنترة كما تقدم : .
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوح أي خفيف اليد في الميسر لكثرة ما لعب الميسر في الشتاء لنفع الفقراء وقال عمير ابن الجعد : .
يسر إذا كان الشتاء ومطعم ... للحم غير كبنة علفوف الكبنة بضمتين المنقبض القليل المعروف والعلفوف كعصفور الجافي