وقد خفي على الناس وجه التأجيل بأربعة أشهر وهو أجل حدده الله تعالى ولم نطلع على حكمته وتلك المدة ثلث العام فلعلها ترجع إلى أن مثلها يعتبر زمنا طويلا فإن الثلث اعتبر معظم الشيء المقسوم مثل ثلث المال في الوصية وأشار به النبي A على عبد الله بن عمرو بن العاص في صوم الدهر . وحاول بعض العلماء توجيهه بما وقع في قصة مأثورة عن عمر بن الخطاب وعزا ابن كثير في تفسيره روايتها لمالك في الموطأ عن عبد الله ابن دينار . ولا يوجد هذا في الروايات الموجودة لدينا : وهي رواية يحيى بن يحيى الليثي ولا رواية ابن القاسم والقعنبي وسويد بن سعيد ومحمد بن الحسن الشيباني ولا رواية يحيى بن يحيى ابن بكير التميمي التي يرويها المهدي بن تومرت فهذه الروايات التي لدينا فلعلها مذكورة في رواية أخرى لم نقف عليها . وقد ذكر هذه القصة أبو الوليد الباجي في شرحه على الموطأ المسمى بالمنتقي ولم يعزها إلى شيء من روايات الموطأ : أن عمر خرج ليلة يطوف بالمدينة يتعرف أحوال الناس فمر بدار سمع امرأة بها تنشد : .
ألا طال هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه .
فلولا حذار الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه فاستدعاها من الغد فأخبرته أن زوجها أرسل في بعث العراق فاستدعي عمر نساء فسألهن عن المدة التي تستطيع المرأة فيها الصبر على زوجها قلن " شهران ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفد في أربعة أشهر " وقيل : إنه سأل ابنته حفصة . فأمر عمر قواد الأجناد ألا يمسكوا الرجل في الغزو أكثر من أربعة أشهر فإذا مضت استرد الغازين ووجه قوما آخرين .
( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ) عطف على الجملة قبلها لشدة المناسبة وللاتحاد في الحكم وهو التربص إذ كلاهما انتظار لأجل المراجعة ولذلك لم يقدم قوله ( الطلاق مرتان ) على قوله ( والمطلقات يتربصن ) لأن هذه الآي جاءت متناسقة منتظمة على حسب مناسبات الانتقال على عادة القرآن في إبداع الأحكام وإلقائها بأسلوب سهل لا تسأم له النفس ولا يجيء على صورة التعليم والدرس .
وسيأتي كلامنا على الطلاق عند قوله تعالى ( الطلاق مرتان ) .
وجملة ( والمطلقات يتربصن ) خبرية مراد بها الأمر فالخبر مستعمل في الإنشاء وهو مجاز فيجوز جعله مجازا مرسلا مركبا باستعمال الخبر في لازم معناه وهو التقرر والحصول . وهو الوجه الذي اختاره التفتازاني في قوله تعالى ( أ فمن حق عليه كلمة العذاب أ فأنت تنقذ من في النار ) بأن يكون الخبر مستعملا في المعنى المركب الإنشائي بعلاقة اللزوم بين الأمر مثلا كما هنا وبين الامتثال حتى يقدر المأمور فاعلا فيخبر عنه . ويجوز جعله مجازا تمثيليا كما اختاره الزمخشري في هذه الآية إذ قال " فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا ونحوه قولهم في الدعاء : C ثقة بالاستجابة " قال التفتازاني : فهو تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو محقق الوقوع في الماضي كما في قول الناس : C أو في المستقبل أو الحال كما في هذه الآية . قلت : وقد تقدم في قوله تعالى ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) وأنه أطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة .
A E
