والتعريف في المطلقات تعريف الجنس . وهو مفيد للاستغراق إذ لا يصلح لغيره هنا . وهو عام في المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله ( يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) إذ لا يتصور ذلك في غيرهن . فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء وليس هذا بعام مخصوص في هذه بمتصل ولا بمنفصل ولا مراد به الخصوص بل هو عام في الجنس الموصوف بالصفة الكقدرة التي هي من دلالة الاقتضاء . فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء . وهي مخصصة بالحرائر دون الإماء فأخرجت الإماء بما ثبت في السنة : أن عدة الأمة حيضتان رواه أبو داود والترمذي . فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء ولا علاقة لها بغيرهن من المطلقات مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض والآيسات من المحيض والحوامل وقد بين حكمهن في سورة الطلاق . إلا أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل . وقال المالكية والشافعية : إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة بمخصصات منفصلة وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء . وهي عند الحنفية عام أريد به الخصوص بقرينة أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف . وإنما لجأوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخا وشرط النسخ تقرر المنسوخ ولم يثبت وقوع الاعتداد في الإسلام بالإقراء لكل المطلقات .
والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخا أصل عير جدير بالتأصيل ؛ لأن تخصيص العام هو وروده مخرجا منه بعض الأفراد بدليل فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص لظهور بطلانه ولا بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه والناسخ لا يسبق ؛ وبعد فمهما لم يقع عمل بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ .
ويتربصن بأنفسهن أي يتلبثن وينتظرن مرور ثلاثة قروء وزيد " بأنفسهن " تعريضا بهن بإظهار حالهن في مظهر المستعجلات الراميات بأنفسهن إلى التزوج فلذلك أمرن أن يتربصن بأنفسهن أي يمسكنهن ولا يرسلنهن إلى رجال . قال في الكشاف : " ففي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن " وقد زعم بعض النحاة : أن بأنفسهن تأكيد لضمير المطلقات وأن الباء زائدة ومن هنالك قال بزيادة الباء في التوكيد المعنوي . ذكره صاحب المغنى ورده من جهة اللفظ بأن : حق توكيد الضمير المتصل أن يكون بعد ذكر الضمير المنفصل أو بفاصل آخر إلا أن يقال : اكتفى بحرف الجر ؛ ومن جهة المعنى بأن التوكيد لا داعي إليه ؛ إذ لا يذهب عقل السامع إلى أن المأمور غير المطلقات الذي هو المبتدأ الذي تضمن الضمير خبره .
وانتصب ( ثلاثة قروء ) على النيابة عن المفعول فيه ؛ لأن الكلام على تقدير مضاف ؛ أي مدة ثلاثة قروء فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب .
والقروء جمع قرء - " بفتح القاف وضمها " وهو مشترك للحيض والطهر . وقال أبو عبيدة : إنه موضوع للانتقال من الطهر إلى الحيض أو من الحيض إلى الطهر فلذلك إذا أطلق على الطهر أو على الحيض كان إطلاقا على أحد طرفيه . وتبعه الراغب . ولعلهما أرادا بذلك وجه إطلاقه على الضدين . وأحسب أن أشهر معاني القرء عند العرب هو الطهر ولذلك ورد في حديث عمر أن ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض سأل عمر رسول الله A عن ذلك . وما سؤاله إلا من أجل أنهم كانوا لا يطلقون إلا في حال الطهر ليكون الطهر الذي وقع فيه الطلاق مبدأ الاعتداد وكون الطهر الذي طلقت فيه هو مبدأ الاعتداد هو قول جميع الفقهاء ما عدا ابن شهاب فإنه قال : يلغى الطهر الذي وقع فيه الطلاق .
A E
