واختلف العلماء في المراد من القروء في هذه الآية والذي عليه فقهاء المدينة وجمهور أهل الأثر أن القرء : هو الطهر . وهذا قول عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من الصحابة من فقهاء المدسنة وماله والشافعي في أوضح كلاميه وابن حنبل . والمراد به الطهر الواقع بين دمين . وقال علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة : إنه الحيض . وعن الشافعي في أحد قوليه أنه الطهر المنتقل منه إلى الحيض وهو وفاق لما فسر به أبو عبيدة وليس هو بمخالف لقول الجمهور : إن القرء : الطهر فلا وجه لعده قولا ثالثا .
ومرجع النظر عندي في هذا إلى الجمع بين مقصدي الشارع من العدة . وذلك أن العدة قصد منها تحقق براءة رحم المطلقة من حمل المطلق وانتظار الزوج لعله أن يرجع . فبراءة الرحم تحصل بحيضة أو طهر واحد وما زاد عليه تمديد في المدة انتظارا للرجعة . فالحيضة الواحدة قد جعلت علامة على براءة الرحم في استبراء الأمة في انتقال الملك وفي السبايا وفي أحوال أخرى مختلفا في بعضها بين الفقهاء فتعين أن ما زاد على حيض واحد ليس لتحقق عدم الحمل بل لأن في تلك المدة رفقا بالمطلق ومشقة على المطلقة فتعارض المقصدان وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمدا بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها وحصول الطهر بعدها . فالذين جعلوا القروء أطهارا راعوا التخفيف عن المرأة مع حصول الإمهال للزوج واعتضدوا بالأثر .
والذين جعلوا القروء حيضات زادوا للمطلق إمهالا ؛ لأن الطلاق لا يكون إلا في طهر عند الجميع كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء .
وقروء صيغة جمع الكثرة استعمل في الثلاثة وهي قلة توسعا على عاداتهم في الجموع أنها تتناوب فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس بوجوب صريح العدد . وبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة وتبين المطلقة الرجعية من مفارقها وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة قال الجمهور : إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة بعد تحقق أنه دم حيض .
ومن أغرب الاستدلال لكون القرء الطهر . الاستدلال بتأنيث اسم العدد في قوله تعالى ( تلاثة قروء ) قالوا : والطهر مذكر فلذلك ذكر معه لفظ الثلاثة ولو كان القرء الحيضة والحيض مؤنث قال ثلاث قروء حكاه ابن العربي في الأحكام عن علمائنا يعني المالكية ولم يتعقبه وهو استدلال غير ناهض ؛ فإن المنظور إليه في التذكير والتأنيث إما المسمى إذا كان التذكير والتأنيث حقيقيا وإلا فهو حال الاسم من الاقتران بعلامة التأنيث اللفظي أو إجراء الاسم على اعتبار تأنيث مقدر مثل اسم البئر وأما هذا الاستدلال فقد لبس حكم اللفظ بحكم أحد مرادفيه .
وقوله تعالى ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) إخبار عن انتفاء إباحة الكتمان وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم . فهو خبر عن التشريع فهو إعلام لهن بذلك وما خلق الله في أرحامهن هو الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته كقول النابغة " كتمتك ليلا بالحمومين ساهرا " أي كتمتك حال ليل .
و ( ما خلق الله في أرحامهن ) موصول فيجوز حمله على العهد : أي ما خلق من الحيض بقرينة السياق . ويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم الحيض والحمل وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص فأما من يقصر لفظ العموم في مثله على خصوص ما ذكر قبله فيكون إلحاق الحوامل بطريق القياس لأن الحكم نيط بكتمان ما خلق الله في أرحامهن . وهذا محمل اختلاف المفسرين فقال عكرمة والزهري والنخعي : ما خلق الله في أرحامهن : الحيض وقال ابن عباس وعمر : الحمل وقال مجاهد : الحمل والحيض وهو أظهر وقال قتادة : كانت عادة نساء الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد " أي لئلا يبقى بين المطلقة ومطلقها صلة ولا تنازع في الأولاد " وفي ذلك نزلت وهذا يقتضي أن العدة لم تكن موجودة فيهم وأما مع مشروعية العدة فلا يتصور كتمان الحمل ؛ لأن الحمل لا يكون إلا مع انقطاع الحيض وإذ مضت مدة الأقراء تبين أن الحمل من الزوج الجديد .
A E
