وقوله ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) شرط أريد به التهديد دون التقييد فهو مستعمل في معنى غير معنى التقييد على طريقة المجاز المرسل التمثيلي كما يستعمل الخبر في التحير والتهديد لأنه لا معنى لتقييد نفي الحمل بكونهن مؤمنات وإن كان كذلك في نفس الأمر لأن الكوافر لا يمتثلن لحكم الحلال بكونهن مؤمنات وإن كان كذلك في نفس الأمر لأن الكوافر لا يمتثلن لحكم الحلال والحرام الإسلامي وإنما المعنى أنهن إن كتمن فهن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ إذ ليس من شأن المؤمنات هذا الكتمان . وجيء في هذا الشرط بإن لأنها أصل أدوات الشرط ما لم يكن هنالك مقصد لتحقيق حصول الشرط فيؤتى بإذا فإذا كان الشرط مفروضا فرضا لا قصد لتحقيقه ولا لعدمه جيء بإن . وليس لإن هنا شيء من معنى الشك في حصول الشرط ولا تنزيل إيمانهن المحقق منزلة المشكوك لأنه لا يستقيم خلافا لما قرره عبد الحكيم .
والمراد بالإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان الكامل وهو الإيمان بما جاء به دين الإسلام فليس إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر بمراد هنا ؛ إذ لا معنى لربط نفي الحمل في الإسلام بثبوت إيمان أهل الكتاب .
وليس في الآية دليل على تصديق النساء في دعوى الحمل والحيض كما يجري على ألسنة كثير من الفقهاء فلابد من مراعاة أن يكون قولهن مشبها ومتى ارتيب في صدقهن وجب المصير إلى ما هو المحقق وإلى قول الأطباء والعارفين . ولذلك قال مالك : " لو ادعت ذات القروء انقضاء عدتها في مدة شهر من يوم الطلاق لم تصدق ولا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوما مع يمينها " وقال عبد الملك : خمسون يوما وقال ابن العربي : لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء وجرى به عمل تونس كما نقله ابن ناجي وعمل فاس كما نقله السجلماسي . وفي الآية دلالة على أن المطلقة الكتابية لا تصدق في قولها : إنها انقضت عدتها .
وقوله ( وبعولتهن ) . البعولة جمع بعل والبعل اسم زوج المرأة . وأصل البعل في كلامهم السيد . وهو كلمة سامية قديمة فقد سمى الكنعانيون " الفينيقيون " معبودهم بعلا قال تعالى ( أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ) وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه ولأن الزوج كان يعتبر مالكا للمرأة وسيدا لها فكان حقيقا بهذا الاسم ثم لما ارتقى نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام فما بعده من الشرائع أخذ معنى الملك في الزوجية يضعف فأطلق العرب لفظ الزوج على كل من الرجل والمرأة للذين بينهما عصمة نكاح وهو إطلاق عادل ؛ لأن الزوج هو الذي يثني الفرد فصارا سواء في الاسم وقد عبر القرآن بهذا السم في أغلب المواضع غير التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله ( وهذا بعلي شيخا ) وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة نحو قوله تعالى ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) وهاته الآية كذلك لأنه لما جعل حق الرجعة للرجل جبرا على المرأة ذكر المرأة بأنه بعلها قديما وقيل : البعل : الذكر وتسمية المعبود بعلا لأنه رمز إلى قوة الذكورة ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بعلا وجاء جمعه على وزن فعولة وأصله فعول المطرد في جمع فعل لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه ونظير قولهم : فحولة وذكورة وكعوبة وسهولة جمع السهل ضد الجيل وزيادة الهاء في مثله سماعي ؛ لأنها لا تؤذن بمعنى غير تأكيد معنى الجمعية بالدلالة على الجماعة