وضمير ( بعولتهن ) عائد إلى المطلقات قبله وهن المطلقات الرجعيات كما تقدم فقد سماهن الله تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشأوا طلاقهن وأطلق اسم البعولة على المطلقين فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات إلا أن صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم وإنما جعل الله مدة العدة توسعة على المطلقين عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم ؛ لقوله تعالى ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) أي أمر المراجعة وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء فللمطلقين بحسب هذه الحالة حالة وسط بين حالة الأزواج وحالة الأجانب وعلى اعتبار هذه الحالة الوسط أوقع عليهم اسم البعولة هنا وهو مجاز قرينته واضحة وعلاقته اعتبار ما كان مثل إطلاق اليتامى في قوله تعالى ( وآتوا اليتامى أموالهم ) .
A E وقد جملة الجمهور على المجاز ؛ فإنهم اعتبروا المطلقة طلاقا رجعيا امرأة أجنبية عن المطلق بحسب الطلاق ولكن لما كان للمطلق حق المراجعة ما دامت المرأة في العدة ولو بدون رضاها وجب إعمال مقتضى الحالتين وهذا قول مالك " لا يجوز للمطلق أن يستمتع بمطلقته الرجعية ولا أن يدخل عليها بدون أذن ولو وطئها بدون قصد مراجعة أثم ولكن لا حد عليه للشبهة ووجب استبراؤها من الماء الفاسد ولو كانت رابعة لم يكن له تزوج امرأة أخرى ما دامت تلك العدة " .
وإنما وجبت لها النفقة لأنها محبوسة لانتظار مراجعته ويشكل على قولهم أن عثمان قضى لها بالميراث إذا مات مطلقها وهي في العدة ؛ قضى بذلك في امرأة عبد الرحمن بن عوف بموافقة علي رواه في الموطأ فيدفع الإشكال بأن انقضاء العدة شرط في إنفاذ الطلاق وإنفاذ الطلاق مانع من الميراث فما لم تنقض العدة فالطلاق متردد بين الإعمال والإلغاء فصار ذلك شكا في مانع الإرث والشك في المانع يبطل إعماله .
وحمل أبو حنيفة والليث بن سعد البعولة على الحقيقة فقالا " الزوجية مستمرة بين المطلق الرجعي ومطلقته ؛ لأن الله سماهم بعولة " وسوغا دخول المطلق عليها ولو وطئها فذلك ارتجاع عند أبي حنيفة . وقال به الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى ونسب إلى سعيد بن المسيب والحسن والزهري وابن سيرين وعطاء وبعض أصحاب مالك . وأحسب أن هؤلاء قائلون ببقاء الزوجية بين المطلق ومطلقته الرجعية .
و ( أحق ) قيل : هو بمعنى اسم الفاعل مسلوب المفاضلة أتى به لإفادة قوة حقهم وذلك مما يستعمل فيه صيغة أفعل كقوله تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) لا سيما إن لم يذكر بعدها مفضل عليه بحرف من وقيل : هو تفضيل على بابه والمفضل عليه محذوف إشارة إليه في الكشاف وقرره التفتازاني بما تحصيله وتبيينه : أن التفضيل بين صنفي حق مختلفين باختلاف المتعلق : هما حق الزوج إن رغب فيها وحق المرأة في الامتناع من المراجعة إن أبتها فصار المعنى : وبعولتهن أحق برد المطلقات من حق المطلقات بالامتناع وقد نسج التركيب على طريقة الإيجاز .
وقوله ( في ذلك ) الإشارة بقوله ( ذلك ) إلى التربص بمعنى مدته أي للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة أي بعد ذلك . كما هو مفهوم القيد . هذا تقرير معنى الآية على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية جامعة لأمرين : حكم المراجعة وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات وذلك أن المتفارقين . لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما رغبة في الرجوع فالله الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال والمرأة أهل الغضب والإباء .
والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى ( حتى يردوكم عن دينكم ) والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة وتسمية المراجعة ردا يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعا لعصمة النكاح فهو إطلاق حقيقي على قول مالك وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأولوا التعبير بالرد : بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة فسميت المراجعة ردا عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي .
وقوله ( إن أرادوا إصلاحا ) شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح وليس هو للتقيد
