والمثل أصله النظير والمشابه كالشبه والمثل وقد تقدم ذلك في قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) وقد يكون الشيء مثلا لشيء في جميع صفاته وقد بكون مثلا له في بعض صفاته . وهي وجه الشبه . فقد يكون وجه المماثلة ظاهرا فلا يحتاج إلى بيانه وقد يكون خفيا فيحتاج إلى بيانه وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق : أجناسا أو أنواعا أو أشخاصا ؛ لأن مقتضى الخلقة ومقتضى المقصد من المرأة والرجل ومقتضى الشريعة التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام العمران والمعاشرة . فلا جرم يعلم كل السامعين أن ليست المماثلة في كل الأحوال وتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تبينه تفاصيل الشريعة فلا يتوهم أنه إذا وجب على المرأة أن تقم بيت زوجها وأن تجهز طعامه أنه يجب عليه مثل ذلك كما لا يتوهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها بل كما تقم بيته وتجهز طعامه يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة والغربال وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا تهمل ولده وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه وكما لا تتزوج عليه بزوج في مدة عصمته يجب عليه هو أن يعدل بينها وبين زوجة أخرى حتى لا تحس بهضيمة فتكون بمنزلة من لم يتزوج عليها وعلى هذا القياس فإذا تأتت المماثلة الكاملة فتشرع فعلى المرأة أن تحسن معاشرة زوجها بدليل ما رتب على حكم النشوز قال تعالى ( واللاتي تخافون نشوزهن ) وعلى الرجل مثل ذلك قال تعالى ( وعاشروهن بالمعروف ) وعليها حفظ نفسها عن غيره ممن ليس بزوج وعليه مثل ذلك عمن ليست بزوجة ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ) ثم قال : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) الآية ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ) إلا إذا كانت له زوجة أخرى فلذلك حكم آخر يدخل تحت قوله تعالى ( وللرجل عليهن درجة ) والمماثلة في بعث الحكمين والمماثلة في الرعاية ففي الحديث : الرجل راع على أهله والمرأة راعية في بيت زوجها والمماثلة في التشاور في الرضاع قال تعالى ( فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ) ( وأتمروا بينكم بمعروف ) .
A E وتفاصيل هاته المماثلة بالعين أو بالغاية تؤخذ من تفاصيل أحكام الشريعة ومرجعها إلى نفي الإضرار وإلى حفظ مقاصد الشريعة من الأمة وقد أومأ إليها قوله تعالى ( بالمعروف ) أي لهن حق متلبسا بالمعروف غير المنكر من مقتضى الفطرة والآداب والمصالح ونفي الإضرار ومتابعة الشرع . وكلها مجال أنظار المجتهدين . ولم أر في كتب فروع المذاهب تبويبا لأبواب تجمع حقوق الزوجين . وفي سنن أبي داود وسنن ابن ماجة بابان أحدهما لحقوق الزوج على المرأة والآخر لحقوق الزوج على الرجل باختصار كانوا في الجاهلية يعدون الرجل مولي للمرأة فهي ولية كما يقولون وكانوا لا يدخرونها تربية وإقامة وشفقة وإحسانا واختيار مصير عند إرادة تزويجها لما كانوا حريصين عليه من طلب الأكفاء بيد أنهم كانوا مع ذلك لا يرون لها حقا في مطالبة بميراث ولا بمشاركة في اختيار مصيرها ولا بطلب ما لها منهم وقد أشار الله تعالى إلى بعض أحوالهم هذه في قوله ( وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن - وقال فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) فحدد الله لمعاملات النساء حدودا وشرع لهن أحكاما قد أعلنتها على الإجمال هذه الآية العظيمة ثم فصلتها الشريعة تفصيلا ومن لطائف القرآن في التنبيه إلى هذا عطف المؤمنات على المؤمنين عند ذكر كثير من الأحكام أو الفضائل وعطف النساء على الرجال
