وقوله ( بالمعروف ) الباء للملابسة والمراد به ما تعرفه العقول السالمة المجردة من الانحياز إلى الأهواء أو العادات أو التعاليم الضالة وذلك هو الحسن وهو ما جاء به الشرع نصا أو قياسا أو اقتضته المقاصد الشرعية أو المصلحة العامة التي ليس في الشرع ما يعارضها . والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهم ملابسا ذلك دائما للوجه غير المنكر شرعا وعقلا وتحت هذا تفاصيل كبيرة تؤخذ من الشريعة وهي مجال لأنظار المجتهدين . في مختلف العصور والأقطار . فقول من يرى أن البنت البكر يجبرها أبوها على النكاح قد سلبها حق المماثلة للابن فدخل ذلك تحت الدرجة وقول من منع جبرها وقال لا تزوج إلا برضاها قد أثبت لها حق المماثلة للذكر وقول من منع المرأة من التبرع بما زاد على ثلثها إلا بإذن زوجها قد سلبها حق المماثلة للرجل . وقول من جعلها كالرجل في تبرعها بما لها قد أثبت لها حق المماثلة للرجل . وقول من جعل للمرأة حق الخيار في فراق زوجها إذا كانت به عاهة قد جعل لها حق المماثلة وقول من لم يجعل لها ذلك قد سلبها هذا الحق . وكل ينظر إلى أن ذلك من المعروف أو من المنكر . وهذا الشأن في كل ما أجمع عليه المسلمون من حقوق الصنفين وما اختلفوا فيه من تسوية بين الرجل والمرأة أو من تفرقة كل ذلك منظور فيه إلى تحقيق قوله تعالى ( بالمعروف ) قطعا أو ظنا فكونوا من ذلك بمحل التيقظ وخذوا بالمعنى دون التلفظ .
ودين الإسلام حري بالعناية بإصلاح شأن المرأة وكيف لا وهي نصف النوع الإنساني والمربية الأولى التي تفيض التربية السالكة إلى النفوس قبل غيرها والتي تصادف عقولا لم تمسها وسائل الشر وقلوبا لم تنفذ إليها خراطيم الشيطان . فإذا كانت تلك التربية خيرا وصدقا وصوابا وحقا كانت أول ما ينتقش في تلك الجواهر الكريمة وأسبق ما يمتزج بتلك الفطر السليمة فهيأت لأمثالها من خواطر الخير منزلا رحبا ولم تغادر لأغيارها من الشرور كرامة ولا حبا .
ودين الإسلام دين تشريع ونظام فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة تحت حكم الإسلام إلى الارتقاء وسيادة العالم .
وقوله ( وللرجال عليهن درجة ) إثبات لتفضيل الأزواج . في حقوق كثيرة على نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) مطردة ولزيادة بيان المراد من قوله ( بالمعروف ) وهذا التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجل ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول المقتضيات الشرعية والعادية .
A E وقوله ( وللرجال ) خبر عن درجة قدم للاهتمام بما تفيده اللام من معنى استحقاقهم تلك الدرجة كما أشير إلى ذلك الاستحقاق في قوله تعالى ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ) وفي هذا الاهتمام مقصدان أحدهما دفع توهم المساواة بين الرجال والنساء في كل الحقوق توهما من قوله آنفا ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) وثانيهما تحديد إيثار الرجال على النساء بمقدار مخصوص لإبطال إيثارهم المطلق الذي كان متبعا في الجاهلية .
والرجال جمع رجل وهو الذكر البالغ من الآدميين خاصة وأما قولهم : امرأة رجلة الرأي فهو على التشبيه أي تشبه الرجل .
والدرجة ما يرتقي عليه في سلم أو نحوه وصيغت بوزن فعلة من درج إذا انتقل على بطء ومهل يقال : درج الصبي إذا ابتدأ في المشي وهي هنا استعارة للرفعة المكنى بها عن الزيادة في الفضيلة الحقوقية وذلك أنه تقرر تشبيه المزية في الفضل بالعلو والارتفاع فتبع ذلك تشبيه الأفضلية بزيادة الدرجات في سير الصاعد لأن بزيادتها زيادة الارتفاع ويسمون الدرجة إذا نزل منها النازل : دركة لأنه يدرك بها المكان النازل إليه . والعبرة بالمقصد الأول . فإن كان القصد من الدرجة الارتفاع كدرجة السلم والعلو فهي درجة وإن كان القصد النزول كدرك الداموس فهي دركة ولا عبرة بنزول الصاعد وصعود النازل
