وقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم المرغب فيه في نظر الشرع . والإمساك حقيقته قبض اليد على شيء مخافة أن يسقط أو يتفلت وهو هنا استعارة لدوام المعاشرة .
والتسريح ضد الإمساك في معنييه : الحقيقي والمجازي وهو مستعار هنا لإبطال سبب المعاشرة بعد الطلاق وهو سبب الرجعة ثم استعارة ذلك الإبطال للمفارقة فهو مجاز بمرتبتين .
والمعروف هنا هو ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي أحكام الإسلام .
وهو يناسب الإمساك لأنه يشتمل على أحكام العصمة كلها من إحسان معاشرة وغير ذلك فهو أعم من الإحسان . وأما التسريح فهو فراق ومعروفه منحصر في الإحسان إلى المفارقة بالقول الحسن والبذل بالمتعة كما قال تعالى ( فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) وقد كان الأزواج يظلمون المطلقات ويمنعونهن من حليهن ورياشهن ويكثرون الطعن فيهن قال ابن عرفة في تفسيره : " فإن قلت هلا قيل فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف قلت عادتهم يجيبون بأن المعروف أخف من الإحسان إذ المعروف حسن العشرة وإعطاء حقوق الزوجية والإحسان ألا يظلمها من حقها فيقتضي إعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن المعاشرة فجعل المعروف مع الإمساك المقتضي دوام العصمة إذ لا يضر تكرره وجعل الإحسان الشاق مع التسريح الذي لا يتكرر " .
وقد أخذ قوم من الآية منع الجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة بناء على أن المقصود من قوله مرتان التفريق وسنذكر ذلك عند قوله تعالى ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد ) الآية .
( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) A E يجوز أن تكون الواو اعتراضية فهو اعتراض بين المتعاطفين . وهما قوله ( فإمساك ) وقوله ( فإن طلقها ) ويجوز أن تكون معطوفة على ( أو تسريح بإحسان ) لأن من إحسان التسريح إلا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضا عن الطلاق وهذه مناسبة مجيء هذا الإعتراض وهو تفنن بديع في جمع التشريعات والخطاب للأمة ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به فالزوج يقف عن أخذ المال : وولي الأمر يحكم بعدم لزومه وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج يسعى ويأمر وينهي " وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من قرابة الجانبين " وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع كقوله ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) إلى قوله ( وارزقوهم فيها ) وإليه أشار صاحب الكشاف وقال ابن عطية والقرطبي وصاحب الكشاف : الخطاب في قوله ( ولا يحل لكم ) للأزواج بقرينة قوله ( أن تأخذوا ) وقوله ( آتيتموهن ) والخطاب في قوله ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ) للحكام لأنه لو كان للأزواج لقيل : فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما قال في الكشاف : " ونحو ذلك غير عزيز في القرآن " اه يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في الكشاف بقوله تعالى في سورة الصف ( وبشر المؤمنين ) على رأي صاحب الكشاف إذ جعله معطوفا على ( تؤمنون بالله ورسوله ) إلخ لأنه في معنى آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفا على الخطابات العامة للأمة وإن كان التبشير خاصا به الرسول A لأنه لا يتأتى إلا منه . وأظهر من تنظير صاحب الكشف أن تنظره بقوله تعالى فيما يأتي : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ) إذ خوطب فيه المطلق والعاضل وهما متغايران .
والضمير المؤنث في ( آتيتموهن ) راجع إلى ( المطلقات ) المفهوم من قوله ( الطلاق مرتان ) لأن الجنس يقتضي عددا من المطلقين والمطلقات وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب كله للحكام وتؤول قوله ( أن تأخذوا ) .
وقوله ( مما آتيتموهن ) بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة التفات ووهنة صاحب الكشاف وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع فما آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحاكم فبطل هذا الوجه ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به واستعمال الحل والحرمة في هذا المعنى وضده قديم في العربية قال عنترة :