يا شاة ماقنص لمن حلت له ... حرمت على وليتها لم تحرم وقال كعب : .
إذا يساور قرنا لا يحل له ... أن يترك القرن إلا وهو مجدول وجيء بقوله ( شيئا ) لأنه من النكرات المتوغلة في الإبهام تحذيرا من أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال مالا أو نحوه وهذا الموقع من محاسن مواقع كلمة شيء التي أشار إليها الشيخ في دلائل الإعجاز . وقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) .
وقوله ( إلا أن يخافا ) قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة فالفعل مسند للفاعل والضمير عائد إلى المتخلعين المفهومين من قوله ( أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) وكذلك ضمير ( يخافا ألا يقيما ) وضمير فلا جناح عليهما وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما . وقرأ حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير للمتخالعين ؛ والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين ؛ والتقدير : إلا أن تخافوهما ألا يقيما حدود الله .
والخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن . ويطلق على أثره وهو السعي في مرضاة المخوف منه وامتثال أوامره كقوله ( فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين ) وترادفه الخشية لأن عدم إقامة حدود الله مما يخافه المؤمن والخوف يتعدى إلى مفعول واحد قال تعالى ( فلا تخافوهم ) .
وقال الشاعر يهجو رجلا من فقعس أكل كلبه واسمه حبتر : .
يا حبتر لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرمه وخرج ابن جني في شرح الحماسة عليه قول الأحوص فيها على أحد تأويلين : .
فإذا تزول تزول على متخمط ... تخشى بوادره على الأقران وحذفت على في الآية لدخولها على أن المصدرية .
وقد قال بعض المفسرين : إن الخوف هنا بمعنى الظن يريد ظن المكروه ؛ إذ الخوف لا يطلق إلا على حصول ظن المكروه وهو خوف بمعناه الأصلي .
وإقامة حدود الله فسرها مالك C : بأنها حقوق الزوج وطاعته والبر به فإذا أضاعت المرأة ذلك فقد خالفت حدود الله .
A E وقوله ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) رفع الإثم عليهما ويدل على أن باذل الحرام لآخذه مشارك له في الإثم وفي حديث ربا الفضل ( الآخذ والمعطي في ذلك سواء ) وضمير ( افتدت به ) لجنس المخالعة وقد تمحض المقام لأن يعاد الضمير إليها خاصة ؛ لأن دفع المال منها فقط .
وظاهر عموم قوله ( فيما افتدت به ) أنه يجوز حينئذ الخلع بما زاد على المهر وسيأتي الخلاف فيه .
ولم يختلف علماء الأمة أن المراد بالآية أخذ العوض على الفراق وإنما اختلفوا في هذا الفراق هل هو طلاق أو فسخ فذهب الجمهور إلى أنه طلاق ولا يكون إلا بائنا ؛ إذ لو لم يكن بائنا لما ظهرت الفائدة في بذل العوض وبه قال عثمان وعلي وابن مسعود والحسن وعطاء وابن المسيب والزهري ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد ومكحول . وذهب فريق إلى أنه فسخ وعليه ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل وكل من قال : إن الخلع لا يكون إلا بحكم الحاكم . واختلف قول الشافعي في ذلك فقال مرة هو طلاق ؛ وقال مرة ليس بطلاق وبعضهم يحكي عن الشافعي أن الخلع ليس بطلاق إلا أن ينوي بالمخالعة الطلاق والصواب أنه طلاق لتقرر عصمة صحيحة فإن أرادوا بالفسخ ما فيه من إبطال العصمة الأولى فما الطلاق كله إلا راجعا إلى الفسوخ وتظهر فائدة هذا الخلاف في الخلع الواقع بينهما . بعد أن طلق الرجل طلقتين فعند الجمهور طلقة الخلع ثالثة فلا تحل لمخالعها إلا بعد زوج وعند ابن عباس وأحمد بن حنبل وإسحاق ومن وافقهم : لا تعد طلقة ولهما أن يعقدا نكاحا مستأنفا .
وقد تمسك بهذه الآية سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وزياد بن أبي سفيان فقالوا : لا يكون الخلع إلا بحكم الحاكم لقوله تعالى ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ) .
والجمهور على جواز إجراء الخلع بدون تخاصم لأن الخطاب ليس صريحا للحكام وقد صح عن عمر وعثمان وابن عمر أنهم رأوا جوازه بدون حكم حاكم .
A E