والجمهور أيضا على جواز أخذ العوض على الطلاق إن طابت به نفس المرأة ولم يكن عن إضرار بها . وأجمعوا على أنه إن كان عن إضرار بهن فهو حرام عليه فقال مالك إذا ثبت الإضرار يمضي الطلاق ويرد عليها مالها . وقال أبو حنيفة : هو ماض ولكنه يأثم بناء على أصله في النهي إذا كان الخارج عن ماهية المنهي عنه . وقال الزهري والنخعي وداود : لا يجوز إلا عند النشوز والشقاق . والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها فإن الله أكد هذا الحكم إذ قال ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) لأن مفهوم الاستثناء قريب من الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع وأكده بقوله ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) فإن مفهومه أنهما إن لم يخافا ذلك ثبت الجناح ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) ثم بالوعيد بقوله ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) وقد بين ذلك كله قضاء رسول الله A بين جميلة بنت أو أخت عبد الله بن أبي بن سلول وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس ؛ إذ قالت له يا رسول الله لا أنا ولا ثابت . أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء والله ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا " فقال لها النبي A " أتردين عليه حديقته التي أصدقك " قالت " نعم وأزيده " زاد في رواية قال " أما الزائد فلا " وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع ألا يرى قوله تعالى ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) هكذا أجاب المالكية كما في أحكام ابن العربي وتفسير القرطبي . وعندي أنه جواب باطل ومتمسك بلا طائل أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) فهذا نكرة في سياق النفي أي لا يحل أخذ أقل شيء وقوله ( إلا أن يخافا ) ففيه منطوق ومفهوم وقوله ( فإن خفتم ) ففيه كذلك ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز كالاستثناء والشرط . وأما الاحتجاج للجواز بقوله ( فإن طين لكم عن شيء منه نفسا ) فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق فإن ضمير ( منه ) عائد إلى الصدقات لأن أول الآية ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم ) الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح .
واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق فقال طاووس وعطاء والأوزاعي وإسحاق وأحمد : لا يجوز أخذ الزائد لأن الله تعالى خصه هنا بقوله : ( مما آتيتموهن ) واحتجوا بأن النبي A قال لجميلة لما قالت له : أرد عليه حديقته وأزيده " أما الزائد فلا " أخرجه الدارقطني عن ابن جريج . وقال الجمهور : يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري : أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة فوقع بينهما كلام فترافعا إلى رسول الله A فقال لها " أتردين عليه حديقته ويطلقك " قالت : نعم وأزيده فقال لها " ردي عليه حديقته وزيديه " وبأن جميلة لما قالت له : وأزيده لم ينكر عليها . وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك أي يحرمه ولم يصح عنده ما روى " أما الزائد فلا " والحق أن الآية ظاهره في تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق وإنما رخصه الله تعالى إذا كانت الكراهية والنفرة من المرأة في مبدأ المعاشرة دفعا للأضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة ؛ لأن الغالب أن الكراهية تقع في مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر .
A E