ومعنى ( لا يألونكم خبالا ) لا يقصرون في خبالكم والألو التقصير والترك وفعله ألا يألو وقد يتوسعون في هذا الفعل فيعدي إلى مفعولين لأنهم ضمنوه معنى المنع فيما يرغب فيه المفعول فقالوا لا آلوك جهدا كما قالوا لا أدخرك نصحا فالظاهر انه شاع ذلك الاستعمال حتى صار التضمين منسيا فلذلك تعدى إلى ما يدل على الشر كما يعدى إلى ما يدل على الخير فقال هنا ( لا يألونكم خبالا ) أي لا يقصرون في خبالكم وليس المراد لا يمنعونكم لأن الخبال لا يرغب فيه ولا يسأل .
ويحتمل أنه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكم بالبطانة لأن شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم فلما كان هؤلاء بضد ذلك عبر عن سعيهم بالضر بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير .
والخبال اختلاف الأمر وفساده ومنه سمي فساد العقل خبالا وفساد الأعضاء .
وقوله ( ودوا ما عنتم ) الود : المحبة والعنت : التعب الشديد أي رغبوا فيما يعنتكم و ( ما ) هنا مصدرية غير زمانية ففعل ( عنتم ) لما صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي .
ومعنى ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى ( ولتعرفنهم في لحن القول ) فعبر بالبغضاء عن دلائلها .
وجملة ( وما تخفي صدورهم أكبر ) حالية .
( والآيات ) في قوله ( قد بينا لكم الآيات ) بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ولم يزل القرآن يربي هذه الأمة على أعمال الفكر والأستدلال وتعرف المسببات من أسبابها في سائر أحوالها : في التشريع والمعاملة لينشئها أمة علم وفطنة , A E ولكون هذه الآيات آيات فراسة وتوسم قال ( أن كنتم تعقلون ) ولم يقل : إن كنتم تعلمون أو تفقهون لأن العقل أعم من العلم والفقه .
وجملة ( قد بينا لكم الآيات ) مستأنفة ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ) استئناف ابتدائي قصد منه المقابلة بين خلق الفريقين فالمؤمنون يحبون أهل الكتاب وأهل الكتاب يبغضونهم وكل إناء بما فيه يرشح والشأن أن المحبة تجلب المحبة إلا إذا اختلفت المقاصد والأخلاق .
وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى في سورة البقرة ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) . ولما كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قبل ( ها أنتم أولاء تحبونهم ) فالعجب من محبة المؤمنين إياهم في حال بغضهم المؤمنين ولا يذكر بعد أسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلا والقصد التعجب من مضمون تلك الجملة .
وجملة ( ولا يحبونكم ) جملة حال من الضمير المرفوع في قوله ( تحبونهم ) لأن محل التعجب هو مجموع الحالين .
وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط ولكنه مجرد أيقاظ ولذلك عقبه بقوله ( وتؤمنون بالكتاب كله ) فإنه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد أيمان المؤمنين لأن المؤمنين لما آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه وأدخلوا فيه التحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتباع ما ليس بحق . وهذان النظران منا ومنهم هما أصل تسامح المسلمين مع قوتهم وتصلب أهل الكتابين مع ضعفهم .
( وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ) جملة ( وتؤمنون ) معطوفة على ( تحبونهم ) كما أن جملة وإذا لقوكم معطوفة على ( ولا يحبونكم ) وكلها أحوال موزعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة .
والتعريف في ( الكتاب ) للجنس وأكد بصيغة المفرد مراعاة للفظه وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيت القينقاعي
