والعض : شد الشيء بالأسنان . وعض الأنامل كناية عن شدة الغيظ والتحسر وأن لم يكن عض أنامل محسوسا ولكن كني به عن لازمه في المتعارف فإن الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذك الأنفعال فقد تكون معينة على دفع انفعاله كقتل عدوه وفي ضده تقبيل من يحبه وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله كتخبط الصبي في الأرض إذا غضب وضرب الرجل نفسه من الغضب وعضه أصابعه من الغيظ وقرعه سنه من الندم وضرب الكف بالكف من التحسر ومن ذلك التأوه والصياح ونحوها وهي ضروب من علامات الجزع وبعضها جبلي كالصياح وبعضها عادي يتعارفه الناس ويكثر بينهم فيصيرون يفعلونه بدون تأمل وقال الحارث بن ظالم المري : .
فأقبل أقوام لئام أذلة ... يعضون من غيظ رؤوس الأباهم وقوله ( عليكم ) على فيه للتعليل والضمير المجرور ضمير المسلمين وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معينة أي على التآمكم وزوال البغضاء كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) ونظير هذا التعليق قول الشاعر : .
لتقرعن على السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي و ( من الغيظ ) ( من ) للتعليل . والغيظ : غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام .
وقوله ( قل موتوا بغيظكم ) كلام لم يقصد به مخاطبون معينون لأنه دعاء على الذين يعضون الأنامل من الغيظ وهم يفعلون ذلك إذا خلوا فلا يتصور مشافهتهم بالدعاء على التعيين ولكنه كلام قصد أسماعه لكل من يعلم من نفسه الاتصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الذي يقصد به عموم كل مخاطب نحو ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ) .
والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحة طلب موتهم بسبب غيظهم وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم وهو حسن حال المسلمين وانتظام أمرهم وازدياد خيرهم وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم وبتعجيل موتهم به وكل من المعنيين المكني بهما مراد هنا والتكني بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور والعرب تقول : فلان محسد أي هو في حالة نعمة وكمال .
A E ( إن الله عليم بذات الصدور [ 119 ] ) تذييل لقوله ( عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) وما بينها كالاعتراض أي أن الله مطلع عليهم وهو مطلعك على دخائلهم .
( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) زاد الله كشفا لما في صدورهم بقوله ( إن تمسكم حسنة تسؤهم ) أي تصبكم حسنة والمس الإصابة ولا يختص أحدهما بالخير والآخر بالشر فالتعبير بأحدهما في جانب الحسنة وبالآخر في جانب السيئة تفنن وتقدم عند قوله تعالى ( كالذي يتخبطه الشيطان من المس ) في سورة البقرة .
والحسنة والسيئة هنا الحادثة أو الحالة التي تحسن عند صاحبها أو تسؤ وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشرعي .
( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعلمون محيط [ 120 ] ) أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقي أذى العدو : بأن يتلقوه بالصبر والحذر وعبر عن الحذر بالاتقاء أي اتقاء كيدهم وخداعهم وقوله ( لا يضركم كيدهم شيئا ) أي بذلك ينتفي الضر كله لأنه أثبت في أول الآيات أنهم لا يضرون المؤمنين إلا أذى فالأذى ضر خفيف فلما انتفى الضر الأعظم الذي يحتاج في دفعه إلى شديد مقاومة من قتال وحراسة وإنفاق كان انتفاء ما بقي من الضر هينا وذلك بالصبر على الأذى إلى ما يوصل ضرا عظيما . وفي الحديث ( لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يدعون له ندا وهو يرزقهم )