وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( لا يضركم ) بكسر الضاد وسكون الراء من ضاره يضيره بمعنى أضره . وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم الضاد وضم الراء مشددة من ضره يضره والضمة ضمة أتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلص من التقاء الساكنين : سكون الجزم وسكون الإدغام ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثة وجوه في العربية : الضم لإتباع حركة العين والفتح لخفته والكسر لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ولم يقرأ إلا بالضم في المتواتر .
( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم [ 121 ] إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ 122 ] ) وجود حرف العطف في قوله ( وإذ غدوت ) مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدمة مثل ( ودوا ما عنتم ) ومثل ( يفرحوا بها ) وعليه فهو آت كما أتت نظائره في أوائل الآي والقصص القرآنية وهو من عطف جملة على جملة وقصة على قصة وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير : واذكر إذ غدوت . ولا يأتي في هذا تعلق الظرف بفعل مما بعده لأن قوله ( تبوئ ) لا يستقيم أن يكون مبدأ الغرض وقوله ( همت ) لا يصلح لتعليق ( إذ غدوت ) لأنه مدخول ( إذ ) أخرى .
A E ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدم أنها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدين والمنافقين ولما كان شأن المنافقين وأهل يثرب واحدا ودخيلتهما سواء وكانوا يعملون على ما تدبره اليهود جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحد وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحد كما تقدم . فهذه الآيات تشير إلى وقعة أحد الكائنة في شوال سنة ثلاث من الهجرة حين نزل مشركو مكة ومن معهم من أحلافهم سفح جبل أحد حول المدينة لأخذ الثأر بما نالهم يوم بدر من الهزيمة فأستشار رسول الله A أصحابه فيما يفعلون وفيهم عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين فأشار جمهورهم بالتحصن بالمدينة حتى إذا دخل عليهم المشركون المدينة قاتلوهم في الديار والحصون فغلبوهم وإذا رجعوا رجعوا خائبين وأشار فريق بالخروج ورغبوا في الجهاد وألحوا على رسول الله A فأخذ النبي A برأي المشيرين بالخروج ولبس لامته ثم عرض للمسلمين تردد في الخروج فراجعوا رسول الله A فقال " لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه " . وخرج بالمسلمين إلى جبل أحد وكان الجبل ورائهم وصفهم للحرب وانكشفت الحرب عن هزيمة خفيفة لحقت المسلمين بسبب مكيدة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين إذ انخزل هو وثلث الجيش وكان عدد جيش المسلمين سبعمائة وعدد جيش أهل مكة ثلاثة الآف وهمت بنو سلمة وبنو حارثة من المسلمين بالانخزال ثم عصمهم الله فذلك قوله تعالى ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) أي ناصرهما على ذلك الهم الشيطاني الذي لو صار عزما لكان سبب شقائهما فلعناية الله بهما برأهما الله من فعل ما همتا به وفي البخاري عن جابر بن عبد الله قال " نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وفينا نزلت ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) وما يسرني أنها لم تنزل والله يقول ( والله وليهما ) " وانكشفت الواقعة عن مرجوحية المسلمين إذ قتل منهم سبعون وقتل من المشركين نيف وعشرون وقال أبو سفيان يومئذ " أعل هبل يوم بيوم بدر والحرب سجال " وقتل حمزة Bه ومثلت به هند بنت عتبة ابن ربيعة زوج أبي سفيان إذ بقرت عن بطنه وقطعت قطعة من كبده لتأكلها لإحنة كانت في قلبها عليه إذ قتل أباها عتبة يوم بدر ثم أسلمت بعد وحسن إسلامها . وشج وجه النبي A يومئذ وكسرت رباعيته . والغدو : الخروج في وقت الغداة .
و ( من ) في قوله ( من أهلك ) ابتدائية .
والأهل : الزوج . والكلام بتقدير مضاف يدل عليه فعل ( غدوت ) أي من بيت أهلك وهو بيت عائشة Bها .
و ( تبوئ ) تجعل مباء أي مكان بوء
