فلفظ ( الأمر ) بمعنى شأن المشركين . والتعريف فيه عوض عن المضاف إليه أي ليس لك من أمرهم اهتمام . وهذا تذكير بما كان للنبي A يوم بدر من تخوف ظهور المشركين عليه وإلحاحه في الدعاء بالنصر . ولعل النبي A كان يود استئصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم فذكره الله بذلك أنه لم يقدر استئصالهم جميعا بل جعل الانتقام منهم ألوانا فانتقم من طائفة بقطع طرف منهم ومن بقيتهم بالكبت وهو الحزن على قتلاهم وذهاب رؤسائهم واختلال أمورهم واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم فيكونوا قوة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك وهم من آمن من أهل مكة قبل الفتح ويوم الفتح : مثل أبي سفيان والحارث بن هشام أخي أبي جهل وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية وخالد بن الوليد وعذب طائفة عذاب الدنيا بالأسر أو بالقتل : مثل أبن خطل والنضر بن الحارث فلذلك قيل له ( ليس لك من الأمر شيء ) . ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أن المراد من الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنه موكول إلى الله هو أعلم بما سيصيرون إليه وجعل هذه الجملة قبل قوله ( أو يتوب عليهم ) استئناس للنبي A إذ قدم ما يدل على الانتقام منهم لأجله ثم أردف بما يدل على العفو عنهم ثم أردف بما يدل على عقابهم ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له . ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى ( أو يعذبهم ) .
A E ولكون التذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحد كأن في هذا التقسيم إيماء إلى ما يصلح بيانا لحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحد إذ كان في استبقاء كثير من المشركين لم يصبهم القتل يومئذ ادخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد بعد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر وإن حسبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحد وإن لم ينتصروا . ولا يستقيم أن يكون قوله ( ليس لك من الأمر شيء ) متعلقا بأحوال يوم أحد : لأن سياق الكلام ينبو عنه وحال المشركين يوم أحد لا يناسبه قوله ( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) إلى قوله ( خائبين ) .
ووقع في صحيح مسلم عن أنس بن مالك : أن النبي A شج وجهه وكسرت رباعيته يوم أحد وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيهم فقال النبي عليه السلام " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم " أي في حال أنه يدعوهم إلى الخير عند ربهم فنزلت الآية ومعناه : لا تستبعد فلاحهم . ولا شك أن قوله فنزلت هذه الآية متأول على إرادة : فذكر النبي A بهذه الآية لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سببا لأن النبي تعجب من فلاحهم أو أستبعده ولم يدع لنفسه شيئا أو عملا حتى يقال ( ليس لك من الأمر شيء ) . وروى الترمذي : أن النبي A دعا على أربعة من المشركين وسمى أناسا فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك ثم أسلموا . وقيل : إنه هم بالدعاء أو أستأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال فنهي . ويرد هذه الوجوه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : كأني أنظر إلى رسول الله A يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وورود أنه لما شج وجهه يوم أحد قال له أصحابه : لو دعوت عليهم فقال : إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . وما ثبت من خلقه A : أنه كان لا ينتقم لنفسه