لولا أن الكلام على يوم أحد لم يكمل إذ هو سيعاد عند قوله تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن ) إلى قوله ( يستبشرون بنعمة من الله . . ) الآية لقلنا إن قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا ) اقتضاب تشريع ولكنه متعين لأن نعتبره استطرادا في خلال الحديث عن يوم أحد ثم لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء . قال ابن عطية : ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا . وقال الفخر : من الناس من قال : لما أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا ) فلا تعلق لها بما قبلها .
وقال الفقهاء : لما أتفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الربا خيف أن يدعو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الربا . وهذه مناسبة مستبعدة . وقال أبن عرفة : لما ذكر اله وعيد الكفار عقبه ببيان أن الوعيد لا يخصهم بل يتناول العصاة وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا . وهو في ضعف ما قبله وعندي مبادئ ذي بدء أن لا حاجة إلى اطراد المناسبة فإن مدة نزول السورة قابلة لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة كما بيناه في المقدمة الثامنة فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قلها فكتبت هنا ولا تكون بينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقا بالكلام .
ويتجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى مما في هذه السورة فالجواب : أن الظاهر أن هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيدا لتلك ولم يكن النهي فيها بالغا ما في سورة البقرة وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حرم الله الربا وأن ثقيفا قالوا : كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع ويكون وصف الربا ب ( مضاعفة ) نهيا عن الربا الفاحش وسكت عما دون ذلك مما لا يبلغ مبلغ الأضعاف ثم نزلت الآية التي في سورة البقرة ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضا بالمراباة عقب غزوة أحد فنزل تحريم الربا في مدة نزول قصة تلك الغزوة . وتقدم الكلام على معنى أكل الربا وعلى معنى الربا ووجه تحريمه في سورة البقرة .
وقوله : ( أضعافا مضاعفة ) حال من ( الربا ) والأضعاف جمع ضعف " بكسر الضاد " وهو معادل في المقدار إذا كان الشيء ومماثلة متلازمين لا تقول : عندي ضعف درهمك إذ ليس الأصل عندك بل يحسن أن تقول : عندي درهمان وإنما تقول : عندي درهم وضعفه إذا كان أصل الدرهم عندك وتقول : لك درهم وضعفه إذا فعلت كذا .
A E والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرف بأل نحو ضعفه فإذا أريد الجمع جيء به بصيغة الجمع كما هنا وإذا عرف الضعف بأل صح اعتبار العهد واعتبار الجنس كقوله تعالى ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) فإن الجزاء أضعاف كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف