وقوله ( مضاعفة ) صفة للأضعاف أي هي أضعاف يدخلها التضعيف وذلك أنهم كانوا إذا داينوا أحد إلى أجل داينوه بزيادة ومتى أعسر عند الأجل أو رام التأخير زاد مثل تلك الزيادة فيصير الضعف ضعفا ويزيد وهكذا فيصدق بصورة أن يجمعوا الدين مضاعفا بمثله إلى الأجل وإذا ازداد ثانيا زاد مثل جميع ذلك فالأضعاف من أول التداين للأجل الأول ومضاعفتها في الآجال الموالية ويصدق بأن يداينوا بمراباة دون الدين ثم تزيد بزيادة الآجال حتى يصير الدين أضعافا وتصير الأضعاف أضعافا فإن كان الأول فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوما : لأن شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرى لحكاية الواقع وإن كان الثاني فالحال وارد لقصد التشنيع وإرادة هذه العاقبة الفاسدة . وإذ قد كان غالب المدينين تستمر حاجتهم آجالا طويلة كان الوقوع في هذه العاقبة مطردا وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوما كذلك إذ ليس القصد منها التقييد بل التشنيع فلا يقتصر التحريم بهذه الآية على الربا البالغ أضعافا كثيرة حتى يقول قائل : إذا كان الربا أقل من ضعف رأس المال فليس بمحرم . فليس هذا الحال هو مصب النهي عن أكل الربا حتى يتوهم متوهم أنه إنه كان دون الضعف لم يكن حراما . ويظهر أنها أول آية نزلت في تحريم التشريع وصيغة آية البقرة تدل على أن الحكم قد تقرر ولذلك ذكر في تلك الآية عذاب المستمر على أكل الربا . وذكر غرور من ظن الربا مثل البيع وقيل فيها ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) الآية كما ذكرناه آنفا فمفهوم القيد معطل على كل حال .
وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجا عارضا موقتا بالقرض فهو مرتبة دون الصدقة وهو ضرب من المواساة إلا أن منها فرض كالزكاة ومنها ندب كالصدقة والسلف فإن انتدب لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها وكذلك المعروف كله وذلك أن العبادة الماضية في الأمم وخاصة العرب أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته فلذلك كان حق الأمة مواساته . والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القدرين عليها فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتقارضين : للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته المواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية لا باختلاف أحوال المتعاقدين . فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف ولو كان المستلف غير محتاج بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الذي أستلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية .
يمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا فيكون تحريم الربا ولو كان قليلا مع تجويز الربح من التجارة والشركات ولو كان كثيرا تحقيقا لهذا المقصد .
A E ولقد قضى المسلمون قرونا طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالربا ولم تكن ثروتهم أيامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم أزمان كانت سيادة العالم بيده أو أزمان كانوا مستقلين بإدارة شؤونهم فلما صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية وارتبط المسلمون بغيرهم في التجارة والمعاملة وانتظمت سوق الثروة العالمية على قواعد القوانين التي لا تتحاشى المراباة في المعاملات ولا تعرف أساليب مواساة المسلمين دهش المسلمون وهم اليوم يتساءلون وتحريم الربا في الآية صريح وليس لما حرمه الله مبيح . ولا مخلص من هذا إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تبنى على أصول الشريعة في المصارف والبيوع وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمال . وحوالات الديون ومقاصتها وبيعها . وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كل فرقة كما أمر الله تعالى .
وقد تقدم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) الآيات الخمس من سورة البقرة
