من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل وجملة ( أعدت للمتقين ) استئناف بياني لأن ذكر الجنة عقب ذكر النار الموصوفة بأنها أعدت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرفوا من الذين أعدت لهم : فإن أريد بالمتقين أكمل ما يتحقق فيه التقوى فإعدادها لهم لأنهم أهلها فضلا من الله تعالى الذين لا يلجون النار أصلا عدلا من الله تعالى فيكون مقابل قوله ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) ويكون عصاة المؤمنين غير التائبين قد أخذوا بحظ الدارين لمشابهة حالهم حال الفريقين عدلا من الله وفضلا وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه وأريد المتقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنهم مقدرون من أهلها في العاقبة .
وقد أجرى على المتقين صفات ثناء وتنويه هي ليست جماع التقوى ولكن اجتماع في محلها مؤذن بأن المحل الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى وتلك هي مقاومة الشح المطاع والهوى المتبع .
الصفة الأولى : الإنفاق في السراء والضراء . والإنفاق تقدم غير مرة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعدة في سبيل الله . والسراء فعلاء اسم لمصدر سره سرا وسرورا . والضراء من ضره أي في حالي الاتصاف بالفرح والحزن وكأن الجمع بينهما هنا لأن السراء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم والضراء فيها ملهاة وقلة موجدة . فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تدل على أن محبة نفع الغير بالمال الذي هو عزيز على النفس فقد صار لهم خلقا لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلا عن نفس طاهرة .
الصفة الثانية : الكاظمين الغيظ . وكضم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتى لا يظهر عليه وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها قال المبرد : فهو تمثيل الإمساك مع الامتلاء ولا شك أن أقوى القوى تأثيرا على النفس القوة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب فإذا استطاع إمساك مظاهرها مع الامتلاء منها دل ذلك على عزيمة راسخة في النفس وقهر الإرادة للشهوة وهذا أكبر من قوى الأخلاق الفاضلة .
الصفة الثالثة : العفو عن الناس فيما أساءوا إليهم . وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأن كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحق فلما وصفوا بالعفو عمن أساء إليهم دل ذلك على أن كظم الغيظ وصف متأصل فيهم مستمر معهم . وإذا اجتمعت هذه الصفات في نفس سهل ما دونها لديها .
وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله ( والله يحب المحسنين ) لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحب المحسنين .
( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [ 135 ] ) A E إن كان عطف فريق آخر فهم غير المتقين الكاملين بل هم فريق من المتقين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وإن كان عطف صفات فهو تفضيل آخر لحال المتقين بأن ذكر أولا حال كمالهم وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم .
والفاحشة الفعلة المتجاوزة الحد في الفساد ولذلك جمعت في قوله تعالى ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) واشتقاقها من فحش بمعنى قال قولا ذميما كما في قول عائشة : " لم يكن رسول الله A فاحشا ولا متفحشا أو فعل فعلا ذميما ومنه ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) .
ولا شك أن التعريف هنا تعريف الجنس أي فعلوا الفواحش وظلم النفس هو الذنوب الكبائر وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) . فقيل : الفاحشة المعصية الكبيرة وظلم النفس الكبيرة مطلقا وقيل : الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير وظلم النفس الكبيرة القاصرة على النفس وقيل : الفاحشة الزنا وهذا تفسير على معنى المثال .
والذكر في قوله ( ذكروا الله ) ذكر القلب وهو ذكر ما يجب لله على عبده وما أصابه وهو الذي يتفرع عنه طلب المغفرة وأما ذكر اللسان فلا يترتب عليه ذلك . ومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده
