والاستغفار : طلب المغفرة أي الستر للذنوب وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب ولذلك صار يعدي إلى الذنب باللام الدالة على التعليل كما هنا وقوله تعالى ( واستغفر لذنبك ) . ولما كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة ونية إقلاع عن الذنب وعدم العودة إليه كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمر عليه أو عازم على معاودته ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب فلذلك عد الاستغفار هنا رتبة من مراتب التقوى . وليس الاستغفار مجرد قول " أستغفر الله " باللسان والقائل ملتبس بالذنوب . وعن رابعة العدوية أنها قالت : " استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار " وفي كلامها مبالغة فإن الاستغفار بالقول مأمور به في الدين لأنه وسيلة لتذكير الذنب والحيلة للإقلاع عنه .
وجملة ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) معترضة بين جملة ( فاستغفروا ) وجملة ( ولم يصروا على ما فعلوا ) .
والاستفهام مستعمل في معنى النفي بقرينة الاستثناء منه والمقصود تسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب والتعريض بالمشركين الذين اتخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله وبالنصارى في زعمهم أن عيسى رفع الخطايا عن بني آدم ببلية صلبة .
وقوله ( ولم يصروا ) إتمام لركني التوبة لأن قوله ( فاستغفروا لذنوبكم ) يشير إلى الندم وقوله ( ولم يصروا ) تصريح بنفي الإصرار وهذان ركنتا التوبة . وفي الحديث " الندم توبة " وأما تدارك ما فرط فيه بسبب الذنب فإنما يكون مع الإمكان وفيه تفصيل إذا تعذر أو تعسر وكيف يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك .
وقوله ( ولم يصروا على ما فعلوا ) حال من الضمير المرفوع في ( ذكروا ) أي : ذكروا الله في حال عدم الإصرار . والإصرار : المقام على الذنب ونفيه هو معنى الإقلاع . وقوله ( وهم يعلمون ) حال ثانية وحذف مفعول يعلمون لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم وعظم غضب الرب ووجوب التوبة إليه وأنه تفضل بقبول التوبة فمحا بها الذنوب الواقعة .
وقد انتظم من قوله ( ذكروا الله فاستغفروا ) وقوله ( ولم يصروا ) وقوله ( وهم يعلمون ) الأركان الثلاثة التي ينتظم منها معنى التوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التوبة من أحياء علوم الدين إذ قال " وهي علم وحال وفعل . فالعلم هو معرفة ضر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين ربه فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات ما يحبه من القرب من ربه ورضاه عنه وذلك الألم يسمى ندما فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعث منه في القلب حالة تسمى إرادة وقصد إلى فعل له تعلق بالحال والماضي والمستقبل فتعلقه بالحال هو ترك الذنب " الإقلاع " وتعلقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل " نفي الإضرار " وتعلقه بالماضي بتلاقي ما فات " .
فقوله تعالى ( ذكروا الله ) إشارة إلى انفعال القلب .
وقوله ( ولم يصروا ) إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة .
A E وقوله ( وهم يعلمون ) إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني . وقد رتب هاته الأركان في الآية بحسب شدة تعلقها بالمقصود : لأن ذكر الله يحصل بعد الذنب فيبعث على التوبة ولذلك رتب الاستغفار عليه بالفاء وأما العلم بأنه ذنب فهو حاصل من قبل حصول المعصية ولو لا حصوله لما كانت الفعلة معصية . فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار على أن جملة الحال لا تدل على ترتيب مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلها في الأخبار والصفات .
قم أن أركان الإصرار وهو استمرار على الذنب كما فسر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خشية الله تعالى فلم يدل على أنه عازم على عدم العود إليه ولكنه الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندم على فعله وإن أريد بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التوبة الخالصة وهو يستلزم حصول الإقلاع معه إذ التلبس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه فإنه متلبس به من الآن .
( أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين [ 136 ] ) استئناف للتوبة بسداد عملهم : من الاستغفار وقبول الله منهم
