وجيء باسم الإشارة لإفادة أن المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل تلك الأوصاف التي استوجبوا الإشارة لأجلها .
وهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى تفصيلا منه : بأن جعل الإقلاع عن المعاصي سببا في غفران ما سلف منها . وأما الجنات فإنما خلصت لهم لأجل المغفرة ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقوا الجنات . فالكل فضل منه تعالى .
وقوله ( ونعم أجر العاملين ) تذييل لإنشاء مدح الجزاء . والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هو . والواو للعطف على جملة ( جزاؤهم مغفرة ) فهو أجر لأنه كان عن وعد للعامل بما عمل . والتعريف في العاملين للعهد أي : ونعم أجر العاملين هذا الجزاء وهذا تفصيل له وللعمل المجازي عليه أي إذا كان لأصناف العاملين أجور كما هو المتعارف فهذا نعم الأجر لعامل .
( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين [ 137 ] ) استئناف ابتدائي : تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحد وما بينهما استطراد كما علمت آنفا وهذا مقدمة التسلية والبشارة الآتيتين . ابتدئت هاته المقدمة بحقيقة تاريخية : وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية .
وجيء ب ( قد ) الدالة على تأكيد الخبر تنزيلا لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين مع أنهم يقاتلون لنصر دين الله وبعد أن ذاقوا حلاوة النصر يوم بدر فبين اله لهم جعل سنة هذا العالم أن تكون الأحوال فيه سجالا ومداولة وذكرهم بأحوال الأمم الماضية فقال ( قد خلت من قبلكم سنن ) . والله قادر على نصرهم ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلا يغتر من يأتي بعدهم من المسلمين فيحسب أن النصر حليفهم . ومعنى خلت وانقرضت . كقوله تعالى ( قد خلت من قبله الرسل ) .
والسنن جمع سنة " بضم السين " وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم صدور العمل على مثالها قل لبيد : .
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي : .
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها A E وقد تردد اعتبار أئمة اللغة إياها اسما جامدا غير مشتق أو اسم مصدر سن إذ لم يرد في كلام العرب السن بمعنى وضع السنة وفي الكشاف في قوله ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ) في سورة الأحزاب : سنة الله أسم موضوع موضع المصدر كقولهم تربا وجندلا ولعل مراده أنه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تربا وجندلا مقام تبا وسحقا في النصب على المفعولية المطلقة التي هي من شأن المصادر وأن المعنى تراب له وجندل له أي حصب بتراب ورجم بجندل . ويظهر أنه مختار صاحب القاموس لأنه لم يذكر في مادة سن ما يقتضي أن السنة اسم المصدر ولا أتى بها عقب فعل سن ولا ذكر مصدرا لفعل سن . وعلى هذا اشتقاق نادر . والجاري بكثرة على ألسنة المفسرين والمعبرين : أن السنة اسم مصدر سن ولم يذكروا لفعل سن مصدرا قياسيا . وفي القرآن إطلاق السنة على هذا المعنى كثيرا ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ) وفسروا السنن هنا بسنن الله في الأمم الماضية .
والمعنى : قد مضت من قبلكم أحوال للأمم جارية على طريقة واحدة هي عادة الله في الخلق وهي أن قوة الظالمين وعتوهم على الضعفاء أمر زائل والعاقبة للمتقين المحقين ولذلك قال ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي المكذبين برسل ربهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقق ما بلغ من أخبارهم أو السؤال عن أسباب هلاكهم وكيف كانوا أولي قوة وكيف طغوا على المستضعفين فاستأصلهم الله لتطمئن نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدة عيان فإن للعيان بديع معنى لأن المؤمنين بلغهم أخبار المكذبين ومن المكذبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس وكلهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم
