والقول المراد في قوله ( يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك ) هو قول نفسي لأنهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علنا لرسول الله A وهم يظهرون الإيمان به . أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين يقولون : هذه من عند محمد فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ) . والمأمور به هو : أن اعبدوا الله ربك وربهم . وورد أن قائل ذلك هم اليهود فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق لأن المعني به معروفون في وقت نزول الآية وقديما قيل لأسلافهم ( وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) . والمراد بالحسنة والسيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنة الملائمة والكائنة المنافرة كقوله ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) وقوله ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة ) وتعلق فعل الإصابة بهما دليل على ذلك أما الحسنة والسيئة بالاصطلاح الشرعي أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين ولا تعرف إصابتهما لأنهما اعتباران شرعيان . قيل : كان اليهود يقولون : " لما جاء محمد المدينة قلت الثمار وغلت الأسعار " . فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثر في حدوث السيئات وأنه لولاه لكانت الحوادث كلها جارية على ما يلائمهم ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدل على أنهم أرادوا هذا المعنى وهو كلمة ( عند ) في الموضعين : ( هذه من عند الله هذه من عندك ) إذ العندية هنا عندية التأثير التام بدليل التسوية في التعبير فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول . وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء وهذا يقتضي أن فعل ذلك من مهاجرة العرب : يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة فلعل فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم ( هذه من عندك ) . ومعنى ( من عند الله ) في اعتقادهم أنه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم وخاصة إذا كان قائل ذلك اليهود . ومعنى ( من عندك ) أي من شؤم قدومك لأن الله لا يعاملهم إلا بالكرامة ولكنه صار يتخولهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحق الإساءة اليهود من جراء المسلمين على حد ( واتقوا فتنة ) الآية .
وقد علمه الله أن يجيب بأن كلا من عند الله لأنه لا معنى لكون شيء من عند الله إلا أنه الذي قدر ذلك وهيأ أسبابه إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرة . وإن كان كذلك فكما أن الحسنة من عنده فكذلك السيئة بهذا المعنى بقطع النظر عما أراده بالإحسان والإساءة والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلا عن عقل غير منضبط التفكير لأنهم جعلوا الحوادث من الله وبعضها من غير الله فلذلك قال ( فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) أي يكادون أن لا يفقهوا حديثا أي أن لا يفقهوا كلام من يكلمهم . وهذا مدلول فعل " كاد " إذا وقع في سياق النفي كما تقدم في قوله ( وما كادوا يفعلون ) .
والإصابة : حصول حال أو ذات في ذات يقال : أصابه مرض وأصابته نعمة وأصابه سهم وهي مشتقة من اسم الصوب الذي هو المطر ولذلك كان ما يتصرف من الإصابة مشعرا بحصول مفاجئ أو قاهر .
وبعد أن أمر الله رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالين علمه حقيقة التفصيل في إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحض النسبة إلى الله تعالى أو اختلاطها بالانتساب إلى العبد فقال ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) . ووجه الخطاب للرسول لأنه المبلغ عن الله ولأن هذا الجواب لإبطال ما نسبه الضالون إليه من كونه مصدر السيئات التي تصيبهم .
A E