@ 147 @ الظاهرية ، لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة . ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فيفتيه فيعمل بفتياه ، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين . كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة صلى الله عليه وسلم . فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في تفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به لا وجه لمنعه ، وكان جارياً بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكره أحد من المسلمين . وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء الله تعالى ( في سورة الأنبياء ، والحشر ) مسألة الاجتهاد في الشرع ، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به قياساً كان الإلحاق أو غيره . ونبين أدلة ذلك ، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام ، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب الله على دعواهم ، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك . .
وسنذكر هنا طرفاً قليلاً من ذلك يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه ، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم . .
اعلم أولاً أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا يكاد ينكره إلا مكابر ، وهو نوع من القياس الجلي ، ويسميه الشافعي رحمه الله ( القياس في معنى الأصل ) وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس ، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعدم الفرق بينهما . أعني الفرق المؤثر في الحكم . .
ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى : { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } فإنه لا يشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه . .
وقوله تعالى : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } فإنه لا شك أيضاً في أن التصريح بالمؤاخذة بمثال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإناثة بمثقال الجبل المسكوت عنه . .
وقوله تعالى : { وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ } ، لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتاً عنها . .
ونهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء ، مع أن ذلك مسكوت عنه . .
وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى } . لا شك في أنه