@ 148 @ يدل على منع إحراق مال اليتيم وإغراقه . لأن الجميع إتلاف له بغير حق . .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أعتق شركاً له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل ، فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ما عتق ) يدل على أن من أعتق شركاً له في أمة فحكمه كذلك . لما عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا تأثير لهما في أحكام العتق وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث وغيرهما . .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع من استيفاء النظر . كالجوع والعطش المفرطين ، والسرور والحزن المفرطين ، والحقن والحقب المفرطين . .
ونهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد ، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلاً وصب البول من القارورة في الماء الراكد . إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه مباشرة وصبه فيه من قارورة ونحوها ، وأمثال هذا كثيرة جداً ، ولا يمكن أن يخالف فيها إلا مكابر . ولا شك أن في ذلك كله استدلالاً بمنطوق به على مسكوت عنه . وكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول ( بتحقيق المناط ) لا يمكن أن ينكره إلا مكابر ، ومسائلة التي لا يمكن الخلاف فيها من غير مكابر لا يحيط بها الحصر ، وسنذكر أمثلة منها . فمن ذلك قوله تعالى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ } فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في تحقيق مناط هذا الحكم ، نص عليه جل وعلا في محكم كتابه . وهو دليل قاطع على بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلاً من أصله . والإنفاق على الزوجات واجب ، وتحديد القدر اللازم لا بد فيه من نوع من الاجتهاد في تحقيق مناط ذلك الحكم . وقيم المتلفات واجبة على من أتلف ، وتحديد القدر الواجب لا بد فيه من اجتهاد . والزكاة لا تصرف إلا في مصرفها ، كالفقير ولا يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن . لأن حقيقة الباطن لا يعلمها إلا الله . ولا يحكم إلا بقول العدل ، وعدالته إنما تعلم بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة . وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات ، إلى غير ذلك مما لا يحصى . .
ومن النصوص الدالة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الشرع ما ثبت في الصحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه : حدثنا يحيى بن
