@ 379 @ صادقين لم يختلفوا ، وإن كانوا كاذبين علم كذبهم باختلافهم ، وقد قدّمنا ما يستأنس به لتفرقة شهود الزنى ، وسؤالهم متفرّقين في قصّة سليمان وداود في المرأة التي شهد عليها أربعة ، أنها زنت بكلبها فرجمها داود فجاء سليمان بالصبيان ، وجعل منهم شهودًا ، وفرّقهم وسألهم متفرّقين عن لون الكلب الذي زنت به ، فأخبر كل واحد منهم بلون غير اللون الذي أخبر به الآخر ، فأرسل داود للشهود ، وفرّقهم وسألهم متفرّقين عن لون الكلب الذي زنت به ، فاختلفوا في لونه ؛ كما تقدّم إيضاحه . .
واعلم أن كلما يثبت به الرجم يثبت به الجلد فطريق ثبوتهما متّحدة لا فرق بينهما ، كما لا يخفى . .
الفرع الخامس : اعلم أنه إذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت ، واثنان أنه زنى بها في بيت آخر ، أو شهد كل اثنين عليه بالزنى في بلد غير البلد الذي شهد عليه فيه صاحباهما ، أو اختلفوا في اليوم الذي وقع فيه الزنى ، فقد اختلف أهل العلم هل قبل شهادتهم ، نظرًا إلى أنهم أربعة شهدوا بالزنى ، أو لا تقبل ؛ لأنه لم تشهد أربعة على زنى واحد ، فكلّ زنى شهد عليه اثنان ، ولا يثبت زنى باثنين . .
قال ابن قدامة في ( المغني ) : الجميع قذفة وعليهم الحدّ ، وبهذا قال مالك ، والشافعي ، واختار أبو بكر أنه لا حدّ عليهم ، وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ، لأنهم كملوا أربعة ، ولنا أنه لم يكمل أربعة على زنى واحد ، فوجب عليهم الحدّ كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما . فأمّا المشهود عليه ، فلا حدّ عليه في قولهم جميعًا ، وقال أبو بكر : عليه الحدّ ، وحكاه قولاً لأحمد ، وهذا بعيد ، فإنه لم يثبت زنى واحد بشهادة أربعة ، فلم يجب الحدّ ، ولأن جميع ما تعتبر له البيّنة يعتبر فيه كمالها في حقّ واحد ، فالموجب للحدّ أولى ؛ لأنه ممّا يحتاط فيه ويدرأ بالشبهات ؛ وقد قال أبو بكر : إنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء ، وشهد اثنان أنه زنى بسوداء فهم قذفة ، ذكره القاضي عنه وهذا ينقض قوله ، انتهى منه . ثم قال : وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت ، وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه أخرى ، وكانت الزاويتان متباعدتين ، فالقول فيهما كالقول في البيتين وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم ، وحدّ المشهود عليه ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : لا حدّ عليه ، لأن شهادتهم لم تكمل ، ولأنهم اختلفوا في المكان ، فأشبه ما لو اختلفا في البيتين ، وعلى قول أبي بكر تكمل شهادتهم ، سواء تقاربت الزاويتان ، أو تباعدتا ، ولنا أنها
